العالم

خريف الغضب في أوروبا

خمس دول فوق صفيح ساخن والشارع يهدد حسابات النخب السياسية.

  • 4898
  • 4:18 دقيقة
الصورة: ح.م.
الصورة: ح.م.

لم تعد موجة الاحتجاجات التي تشهدها عدة دول أوروبية، مجرد رد فعل ظرفي على ارتفاع الأسعار أو أزمة تعليمية، بل تحولت إلى مشهد سياسي مركّب تتقاطع فيه مطالب المعيشة والسكن والتعليم مع أزمة ثقة متصاعدة في المؤسسات والأحزاب والحكومات. فمن فرنسا إلى ألبانيا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا، يخرج المواطنون إلى الشوارع بأسباب متقاربة، لكن بدلالات سياسية مختلفة، في وقت تترقب فيه العواصم الأوروبية ما إذا كان الغضب الاجتماعي سيتحول إلى عامل حاسم في الانتخابات المقبلة.

من فرنسا إلى ألبانيا .. خريطة احتجاج تتمدد

في فرنسا، شهدت باريس ومدن أخرى احتجاجات واسعة قادها طلاب المدارس وحركة "السترات الصفراء" ونشطاء بيئيون ضد غلاء المعيشة، وسط تقديرات متباينة للمشاركة، إذ قدّر المنظمون عدد المشاركين بنحو 800 ألف شخص، بينما قدّرت وزارة الداخلية العدد بنحو 550 ألفا. واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، فيما تحولت بعض التحركات إلى أعمال عنف ونهب وتخريب طالت متاجر ومباني عامة.

وفي ألبانيا، دخلت الاحتجاجات في العاصمة تيرانا وعدة مدن يومها الخامس، وسط اشتباكات عنيفة، حيث خرج آلاف الطلاب والمواطنين للتعبير عن غضبهم من تدهور الأوضاع المعيشية والتعليمية، مطالبين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما. أما في البرتغال، فقد تظاهر عشرات الآلاف في لشبونة بدعوة من اتحاد نقابات العمال الرئيسي، احتجاجا على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتفاقم أزمة السكن. وفي بلجيكا، تظاهر المئات في بروكسل ولييج بالتزامن مع الاحتجاجات الفرنسية، وسط حوادث تخريب ومواجهات مع الشرطة. وفي إيطاليا أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع خلال اشتباكات مع متظاهرين في ميلانو وبولونيا، في أعقاب احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة.

هذا التزامن بين خمس دول لا يعني بالضرورة وجود قيادة موحدة أو أجندة واحدة، لكنه يشير إلى وجود "أرضية مشتركة" من الغضب: أسعار مرتفعة وخدمات عامة متراجعة وشباب يرى أن فرصه تتقلص وحكومات تبدو غير قادرة على تقديم حلول مقنعة. وهنا يتحول الاحتجاج من مطلب قطاعي إلى سؤال سياسي أوسع عن أولويات الدولة وعدالة توزيع الموارد.

عنف ونهب وأرقام قياسية.. فرنسا بين الأمن والاتهام

اتسعت دائرة العنف في الاحتجاجات الفرنسية، إذ أضرم محتجون النيران في مبنى البلدية بمدينة ليموج، واقتحم متظاهرون يرتدون ملابس سوداء مبنى البلدية في مرسيليا وشوّهوه برسوم غرافيتي، فيما أضرم آخرون النار في مكتب السياحة بمدينة ليون، وأعلنت الشرطة الفرنسية توقيف 855 شخصا في باريس وحدها، ووصفت العدد بأنه "رقم قياسي"، بينما أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو توقيف 1200 شخص على خلفية أعمال العنف وإصابة 150 من عناصر الشرطة والدرك.

وربطت الحكومة بين هذه الاضطرابات وما وصفته بـ"اليسار المتطرف" ومجموعات خارجة عن القانون، مؤكدة أنها لن تخضع للترهيب. وقال لوكورنو إن من يسعون إلى توظيف العنف تمهيدا للانتخابات الرئاسية، لن يتمكنوا من فرض أجندتهم السياسية بهذه الوسيلة. كما قال الرئيس إيمانويل ماكرون إن كل من ارتكب أعمال تخريب أو اعتدى على مؤسسات أو شركات أو شارك في أعمال نهب "سيُلاحق ويُعاقب".

لكن هذا الخطاب الأمني، رغم ضرورته في مواجهة العنف، لا يحل السؤال السياسي الأعمق: لماذا يجد الغضب الاجتماعي طريقه إلى الشارع بهذه الكثافة؟ ولماذا تتحول مطالب المعيشة والتعليم إلى مواجهات ونهب وتخريب؟ الإجابة لا تتوقف عند "المندسين" أو "اليسار المتطرف" فقط، بل تمتد إلى أزمة تمثيل وثقة تجعل الاحتجاج بالنسبة لقطاعات واسعة السبيل الأكثر حضورا للتعبير عن الغضب.

ليست الاحتجاجات الفرنسية وليدة اليوم، فمنذ انتفاضة ماي 1968 لم تغب الاحتجاجات الجماهيرية عن المشهد الفرنسي. في ذلك العام انطلقت من جامعة نانتير ثم السوربون، وتضامنت معها نقابات طلابية وعمالية، وخرج قرابة 200 ألف فرنسي في مسيرة كبرى، وامتدت الإضرابات إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد. وقد انتهت تلك الأحداث بزلزال سياسي كبير، بلغ حد استقالة الرئيس شارل ديغول بعد رفض مشروع الإصلاحات الدستورية. ثم تكرر المشهد بصيغ مختلفة: احتجاجات أكتوبر 1976 ضد خطة التقشف وإضراب عام شارك فيه أكثر من خمسة ملايين عامل، ثم حراك "ديفاكييه" عام 1986 ضد إصلاح جامعي أجبر الحكومة على سحب مشروع القانون، وصولا إلى حركة "السترات الصفراء" عام 2018 ضد زيادة ضرائب الوقود ثم ضد العدالة الاجتماعية، واحتجاجات قانون رفع سن التقاعد عام 2023، ثم الاحتجاجات الطلابية الحالية.

المطالب المعلنة للاحتجاجات اقتصادية واجتماعية في ظاهرها غلاء المعيشة وأزمة السكن والرسوم الجامعية ونقص المعلمين وتردي المرافق وتراجع الخدمات، لكنها سياسية في جوهرها، لأنها تطرح سؤالاً عن أولويات الحكومات لماذا تُخصص موارد للإنفاق العسكري أو لإصلاحات تقشفية بينما تتآكل الخدمات العامة، ولماذا يشعر الشباب والعائلات ذات الدخل المتوسط والمحدود والمتقاعدون بأن الدولة لم تعد طرفا محايدا، بل عامل تمكين لارتفاع الإيجارات وترسيخ التفاوت في فرص التعليم؟

في فرنسا، تأتي الاحتجاجات قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، ما يمنحها بعداً انتخابياً مباشراً. فالحكومة تحاول احتواء الشارع أمنياً وسياسياً، بينما تترقب المعارضة من اليمين واليسار المزاج العام لتحويل الغضب إلى رصيد انتخابي. وفي ألبانيا، يرفع المحتجون سقف المطالب إلى استقالة رئيس الوزراء، ما يحوّل الاحتجاج من مطلب معيشي إلى أزمة شرعية سياسية. وفي البرتغال وبلجيكا وإيطاليا، تتقاطع مطالب السكن والتعليم والأجور مع نقاشات أوسع حول الإنفاق العام والرسوم الجامعية والسياسات الأوروبية.

وما يحدث في فرنسا يلقي بظلاله على تحركات مقررة في مدن أوروبية أخرى. ففي برلين وبروكسل، يستعد طلاب للتضامن مع الاحتجاجات الفرنسية، وللمعارضة خطط إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية والإنفاق العسكري في ألمانيا، بينما يحتج طلاب بلجيكا ضد ارتفاع الرسوم الجامعية ونقص التمويل. وفي إيطاليا، تتجه الأنظار إلى "خريف ساخن" مع تسارع التضخم بسبب أسعار الطاقة ونزول طلاب وسائقي شاحنات ومزارعين إلى الشوارع. وفي البرتغال يتصاعد الغضب ضد أزمة المعاشات وارتفاع أسعار السكن.

هذه الحركات تستمد جزء من زخمها من شبكات التواصل الاجتماعي التي تنقل الصور والمطالب عبر الحدود بسرعة، لكنها تعكس ضغوطا تواجه الحكومات التقليدية نموذج اقتصادي ينتج تفاوتا متزايدا وخدمات عامة تتراجع وثقة سياسية تتآكل.