اسلاميات

مصاحبة الصالحين دليل الفالحين!!

زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر القلب، فيغفل عن ذكر الله

  • 87
  • 2:00 دقيقة

في صحيح مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلّى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلّى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.

يأمر الله تعالى نبيه محمدا صلّى الله عليه وسلم (والأمر عام له ولأمته) بلزوم الصالحين، ومصابرة النفس على مصاحبتهم، خصوصا الفقراء منهم والضعفاء، فلا تُبعد عن مجالسك هؤلاء المؤمنين الفقراء الذين يدعون ربهم صباح مساء، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، فهم أفضل عند الله من الأغنياء المتغطرسين والأقوياء الجاهلين، فالقوم قد شغلوا أوقاتهم بالعبادة بحسب الأحوال، لا يريدون بذلك رياء ولا سمعة، ولا عَرَضا من الدنيا زائلا، إنما يريدون بذلك وجه الله تعالى وطلب مرضاته.

ثم نهاه تعالى عن مصاحبة أهل الدنيا فقال: {ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} أي: لا تتطلع إلى مصاحبة غيرهم من أهل الشرف والغنى، لما يحصل بذلك من اشتغال القلب بزينة الدنيا عن أمر الآخرة، فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر القلب، فيغفل عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية والندامة السرمدية.

ثم نهاه نهيًا آخر فقال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}، فنهاه عن طاعة الغافلين عن ذكر الله، المتبعين لأهوائهم، وفي هذه الآية الكريمة من الفوائد: الحث على الصبر على طاعة الله الذي هو أعلى أنواع الصبر، وقد ذكر الله الصبر في أكثر من تسعين موضعا من كتابه لمكانته العظيمة. ومنها استحباب ذكر الله، يقول أرباب التزكية: إن القلوب لها صدأ لا يجلوه إلا ذكر الله، ولها أقفال مفتاحها لهج اللسان بحمده، وإدامة العبد لشكره، فالذكر جنة الله في أرضه، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، قال ابن القيم رحمه الله في سِفْره القيم ‘مدارج السالكين’: “والذكر من أعطيه اتصل، ومن مُنعه عُزل، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به نار الحريق، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب، هو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون”. والله ولي التوفيق.

*إمام مسجد عمر بن الخطاب - بن غازي - براقي