اقتصاد

الجزائر قوة صاعدة في الحديد والصلب

اللافت ليس فقط حجم الطاقة الإنتاجية، بل الميزة التنافسية التي تنفرد بها الصناعة الجزائرية على المستوى الإقليمي

  • 1599
  • 4:47 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

يضع الاتحاد العربي للحديد والصلب، في تصنيف يعكس تحولات خريطة الصناعة الثقيلة في المنطقة العربية،، الجزائر في المرتبة الثالثة عربياً في القدرات التشغيلية لصناعة الحديد والصلب. ويأتي هذا التصنيف بناءً على معطيات ترصد الطاقة الإنتاجية الإجمالية التي تبلغ 8.7 مليون طن سنوياً، متقدمة بذلك دولا عديدة، وبعد كل من مصر التي تتصدر القائمة بـ15.6 مليون طن، والسعودية التي حلت ثانية بـ12 مليون طن.

اللافت في هذا التمركز ليس فقط حجم الطاقة الإنتاجية، بل الميزة التنافسية التي تنفرد بها الصناعة الجزائرية على المستوى الإقليمي، حيث تعتمد بنسبة 100% على أفران القوس الكهربائي الحديثة (EAF) في إنتاج الصلب، وهو ما يجعلها واحدة من أنظف الصناعات الثقيلة وأكثرها توافقاً مع التوجهات البيئية العالمية.

قدرات الإنتاج.. 8.7 مليون طن تقودها ثلاثية توسيالي وبلارة والحجار

تتوزع القدرة الإنتاجية البالغة 8.7 مليون طن سنوياً على عدد من المجمعات الصناعية الكبرى التي تشكل العمود الفقري لقطاع الصلب في الجزائر، بداية بمركب "توسيالي الجزائر" بمنطقة بطيوة في وهران، الذي تقدر طاقته الإنتاجية الإجمالية بنحو 3 ملايين طن سنوياً من حديد التسليح ولفائف الأسلاك، معتمداً على وحدات صهر كهربائي متطورة، ومتوجاً مؤخراً بإطلاق مشروع ضخم للاختزال المباشر للحديد بطاقة تصل إلى 2.5 مليون طن إضافية، مما سيعزز الاندماج الصناعي ويقلل من فاتورة استيراد المواد الخام.

ويأتي مركب الحديد والصلب الجزائري القطري "بلارة" بولاية جيجل كفاعل رئيسي، حيث تبلغ طاقته الإنتاجية الحالية نحو 2.5 مليون طن من الصلب السائل ومنتجات الدرفلة الطويلة، مع خطط توسعية طموحة تهدف إلى مضاعفة الإنتاج عبر إضافة وحدات درفلة جديدة ومشروع للحديد المباشر، مما سيضعه بين أكبر المصانع المتكاملة في إفريقيا.

أما مركب "سيدار الحجار" التاريخي بولاية عنابة، الذي يخضع لعملية إعادة تأهيل وعصرنة واسعة، فيساهم بقدرة تصل إلى مليون طن سنوياً، وذلك بعد تحويل خطوط إنتاجه لتعتمد على أفران القوس الكهربائي وتقنيات الصب المستمر، مما أنهى عملياً حقبة الاعتماد على الأفران العالية التقليدية كثيفة الانبعاثات الكربونية.

وتكتمل منظومة الإنتاج بعدد من المصانع الخاصة للدرفلة والتشكيل تنتشر في مناطق مختلفة، ساهمت في رفع القدرة الإجمالية للبلاد لتصل إلى هذه المرتبة المتقدمة عربياً.

ميزة تنافسية للمنتج الجزائري عبر الصناعة الخضراء في الأسواق العالمية

ولا يقتصر التفوق التكنولوجي للحديد والصلب الجزائري على حجم الإنتاج، بل يتجاوزه إلى نمط الإنتاج ذاته؛ حيث يمنح اعتماد الجزائر الكلي على أفران القوس الكهربائي الحديثة لها أفضلية مزدوجة تتمثل في خفض الانبعاثات الكربونية بشكل كبير مقارنة بأفران الأكسجين القاعدي التي لا تزال تستحوذ على 66% من القدرات العالمية، إلى جانب مرونة تشغيلية تتيح لها التكيف مع تقلبات أسواق الخردة والطاقة.

وتكتسب هذه الخاصية أهمية استثنائية في ظل التوجهات التجارية الأوروبية الجديدة، وعلى رأسها آلية تعديل الحدود الكربونية (CBAM) التي تفرض رسوماً على المنتجات الصناعية كثيفة الكربون اعتباراً من 2026، وبفضل كونها منتجاً للصلب الأخضر، تجد الصادرات الجزائرية من حديد التسليح ولفائف الأسلاك قبولاً متزايداً في الأسواق الأوروبية التي تستورد بالفعل جزءاً من الإنتاج، بالإضافة إلى أسواق غرب إفريقيا وشمالها.

طموحات التصدير خارج المحروقات.. الصلب في طليعة القطاعات الواعدة

لا يخفى أن تنامي القدرات الإنتاجية للصلب يتقاطع بشكل مباشر مع إستراتيجية الجزائر لتنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات؛ فقد تحولت البلاد خلال السنوات الأخيرة من مستورد صافٍ لحديد البناء، إلى مصدِّر فاعل، حيث سجلت صادرات الحديد والصلب نمواً مطرداً لتتجاوز حاجز المليون طن سنوياً، بقيمة تقترب من مليار دولار، وهو رقم مرشح للارتفاع مع دخول مشاريع التوسع حيز التشغيل الكامل.

ويمنح الموقع الجغرافي للجزائر لها ميزة لوجستية للوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية على حد سواء، فضلاً عن توفر الطاقة بأسعار تنافسية تجعل كلفة الإنتاج في أفران القوس الكهربائي أقل مقارنة بالمنتجين الذين يعتمدون على الغاز المسال أو الفحم المستورد. وبحسب بيانات الاتحاد العربي للحديد والصلب، فإن الجزائر تبرز حالياً ضمن ثلاث دول عربية فقط تقود مشاريع "الحديد المباشر" بطاقة إضافية تقدر بنحو 5 ملايين طن سنوياً، وهو ما سيعمق تكاملها الإنتاجي ويرفع قدرتها التنافسية التصديرية.

ويبرز بالمقابل، مشروع منجم غار جبيلات في ولاية تندوف، والذي يُعد أحد أكبر احتياطيات خام الحديد في العالم كعامل دفع، فرغم أن الاستغلال التجاري للمنجم لا يزال في مراحله الأولى، فإن إدراجه ضمن خريطة طريق القطاع يهدف إلى تقليص الاعتماد على خردة الحديد المستوردة ومواد الاختزال، وتأمين مدخلات إنتاج محلية تدعم سلسلة القيمة وتحمي المنتجين من تقلبات الأسعار العالمية.

تقلبات أسعار الحديد والصلب في السوق الدولية

سجلت أسواق الخام والخردة، في الأسبوع الرابع من ماي 2026، حالة من التذبذب؛ حيث تراجعت أسعار خردة الحديد المصدّرة إلى تركيا إلى 410 دولارات للطن، وانخفض خام الحديد الأسترالي تركيز 62% إلى 106 دولارات، بينما تأرجحت أسعار البيلت والمنتجات النهائية، ويعزز هذا السياق المتقلب الجدوى الاقتصادية لمشاريع الاستخراج المحلي والاختزال المباشر، ويجعل من تملك المواد الأولية سلاحاً استراتيجياً في معادلة التصدير.

ويشير المحللون الاقتصاديون إلى أن دخول مركب توسيالي لإنتاج الحديد المختزل محلياً، إلى جانب مشروع مماثل في مركب بلارة، سيقلص فاتورة استيراد المواد الخام لصناعة الصلب بأكثر من 1.5 مليار دولار سنوياً، وسيفتح الباب أمام تصدير فائض الحديد الأسفنجي إلى أسواق الجوار.

يحمل تصنيف الجزائر ضمن المراتب الثلاث عربياً من حيث قدرات إنتاج الصلب دلالات تتجاوز الأرقام، فهو يعكس تحولاً هيكلياً في الصناعة الثقيلة الوطنية، مدعوماً بإرادة سياسية واستثمارات ضخمة في التكنولوجيا النظيفة والبنية التحتية اللوجستية. وبينما يظل قطاع الصلب العالمي في حالة تحول نحو خفض الانبعاثات، تقف الجزائر في موقع يؤهلها لتكون مزوداً إقليمياً رئيسياً للصلب الأخضر، مستفيدة من طاقاتها الإنتاجية المقدرة بـ8.7 مليون طن سنوياً، ومنظومتها الصناعية المتكاملة التي تقودها شركات عملاقة مثل توسيالي وبلارة وسيدار الحجار، وسط آفاق واعدة لتحويل خام غارا جبيلات إلى شريان جديد للاقتصاد الوطني.

ووفقا للمنظمة سجّلت صناعة الصلب في الدول العربية خلال عام 2025 حصيلة استثنائية، تمثلت في تحقيق إجمالي إنتاج بلغ نحو43.7 مليون طن خلال الفترة من جانفي إلى ديسمبر، مسجلاً نمواً ملحوظاً بنسبة 7.2% مقارنة بعام 2024. وقد عزز هذا الأداء الإيجابي الأداء القوي الذي أظهرته منطقتا الخليج وشمال إفريقيا.

ففي منطقة الخليج، ارتفع الإنتاج الإجمالي إلى 21.6 مليون طن بنمو 9.5%، بقيادة المملكة العربية السعودية التي تصدرت الإنتاج بـ 10.8 مليون طن ونمو سنوي 12.3%. أما في شمال إفريقيا؛ فقد بلغ الإنتاج 18.7 مليون طن بزيادة 6%، حيث حافظت مصر على الصدارة بـ 10.65 مليون طن، بينما حققت الجزائر قفزة نوعية بنمو 17.9% بإنتاج 5.33 مليون طن.