الوطن

الجزائر تعيد الاستقرار للساحل

قدرات وخبرة الجيش الوطني الشعبي في خدمة السلم في المنطقة.

  • 1211
  • 4:06 دقيقة
ح.م
ح.م

تنظر الجزائر إلى أمن منطقة الساحل باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها الاستراتيجي، وهو ما تؤكده في كل مرة من خلال مواقفها السياسية وتحركاتها الميدانية لدعم دول المنطقة في مواجهة التحديات الأمنية والإرهابية.

وعلى هذا الأساس، لم تتردد الجزائر، خلال السنوات الماضية، في تقديم مساعدات وهبات ذات طابع إنساني، أمني وعسكري لدول الساحل، انطلاقا من قناعة مفادها أن تعزيز قدرات هذه الدول على حماية أراضيها ومواجهة التهديدات الأمنية يصب أيضا في حماية أمن المنطقة ككل.

وفي أحدث تجسيد لهذا التوجه، قامت الجزائر بتحويل وتسليم هبة مقدمة من وزارة الدفاع الوطني إلى الجيش النيجري، تتمثل في أربع مروحيات وتجهيزات عسكرية مرافقة، وذلك تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، الرامية إلى تعزيز علاقات التعاون الاستراتيجي بين الجزائر وجمهورية النيجر في مختلف المجالات، لا سيما المجال العسكري.

وفي هذا السياق، أقلعت الأحد من قاعدة الانتشار الثانوية بإن ڤزام، بالناحية العسكرية السادسة، مروحيتان من نوع MI-24V ومروحيتان من نوع MI-171  باتجاه مطار نيامي، بالتوازي مع شحن كمية من الذخائر الخاصة بهذه المروحيات، إلى جانب قطع الغيار وعتاد الإسناد والصيانة والدعم اللوجستي، على متن طائرة نقل عسكرية تابعة للقوات الجوية الجزائرية.

وتكتسب الهبة أهميتها في ضوء التطورات الأمنية التي شهدتها النيجر خلال الأشهر الأخيرة، في مقدمتها الهجمات التي استهدفت مطار ديوري حماني الدولي في نيامي، الذي يضم أيضا منشآت عسكرية، حيث تعرض لهجومين خلال أقل من ستة أشهر، كان آخرهما في 18 جوان الماضي، عندما حاول مسلحون اقتحام محيطه، ما أسفر، وفق حصيلة وزارة الدفاع النيجرية، عن مقتل 11 عنصرا من قوات الدفاع والأمن ومدنيين اثنين.

ويكشف تكرار استهداف هذه المنشأة الاستراتيجية عن انتقال التهديد الإرهابي إلى قلب العاصمة واستهداف البنى التحتية ذات الطبيعة السيادية والعسكرية. ومن هذه الزاوية، تأتي هبة الجزائر في سياق تعزيز القدرات العملياتية للجيش النيجري، وليس فقط في إطار التضامن السياسي بين البلدين.

قدرات فريدة

في تعليقه على إمكانيات هذه المروحيات قال الخبير الأمني أكرم خريف إن (المي 24) الجزائرية فريدة من نوعها في العالم، لأنها عدلت في جنوب إفريقيا خصيصا لمحاربة الإرهاب. فعاليتها أكبر من نظيرتها الروسية التي تمتلكها جيوش دول الساحل والتجهيزات المرسلة هي قطع الغيار.

وأوضح خريف، في اتصال مع "الخبر"، أن هذه الهبة تكشف أمرين: أولهما أن العملية كانت قيد التحضير منذ عدة أسابيع، إذ إن إخراج هيكلين من خط الطيران وتجريدهما من الطلاء وإعادة طلائهما وتجهيزهما للطيران ليست عملية يمكن اتخاذ قرار بشأنها وتنفيذها خلال أسبوع واحد. أما الأمر الثاني، والأهم، فهو أن هذا الطلاء يشير إلى طبيعة المناطق التي يفترض أن تعمل فيها المروحيتان، فالمستهدف ليس صحراء النيجر الشمالية وإنما الحزام الساحلي ذو الغطاء النباتي، ولاسيما مناطق تيلابيري ودوسو ووادي نهر النيجر، وربما ديفا وحوض بحيرة تشاد، وهي المناطق نفسها التي يتكبد فيها الجيش النيجري خسائر في مواجهة "تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى"، التي تراجعت فيها قدرته على توفير الإسناد الجوي القريب بشكل كبير منذ عام 2023.

وبالتالي، يؤكد المتحدث، فإن الجزائر لم تمنح هذه المعدات للجيش النيجري بهدف الاستعراض أو العرض في المناسبات، بل إن اختيار نمط الطلاء يحمل دلالة عملياتية واضحة، وقد تم اتخاذه قبل عملية نقل المروحيتين جوا إلى النيجر.

الشراكة الأمنية

تابع الخبير الأمني: "لا تقتصر الهبة على منصات جوية فقط، وإنما تشمل أيضا الذخائر وقطع الغيار وتجهيزات الصيانة والإسناد، بما يسمح للجيش النيجري بالاستفادة من منظومة متكاملة وليس مجرد معدات منفصلة." ويكشف ذلك عن مقاربة تتجاوز منطق المساعدة الظرفية نحو دعم القدرات العملياتية للجيش النيجري، خصوصا أن المروحيات تمثل أداة مهمة في مراقبة المناطق الحدودية الشاسعة ونقل القوات وتنفيذ عمليات الإسناد ومواجهة التهديدات الأمنية التي تفرضها الطبيعة الجغرافية والأمنية المعقدة لمنطقة الساحل.

رهان على أمن الجوار

تأتي هذه العملية في سياق أوسع من التأكيد المتكرر على أن أمن البلاد يرتبط بصورة وثيقة باستقرار محيطها الإقليمي، لاسيما منطقة الساحل التي تواجه منذ سنوات تمددا للجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة وتحديات مرتبطة بمراقبة الحدود والمساحات الصحراوية الشاسعة.

من هذا المنظور، فإن تعزيز قدرات الجيوش الوطنية في دول الجوار لا يمثل بالنسبة للجزائر مجرد خيار تعاون ثنائي وإنما يدخل ضمن تصور للأمن الإقليمي، يقوم على تمكين دول المنطقة من امتلاك أدوات الدفاع عن سيادتها وأراضيها، بدلا من ترك المجال مفتوحا أمام التدخلات الخارجية أو المقاربات الأمنية المفروضة من خارج المنطقة. وتحمل الهبة المقدمة للنيجر، بهذا المعنى، بعدا سياسيا يتجاوز قيمتها العسكرية، لأنها تأتي في مرحلة إقليمية دقيقة تعيد فيها دول الساحل ترتيب تحالفاتها وشراكاتها، بينما تسعى الجزائر إلى الحفاظ على موقعها كقوة إقليمية داعمة لاستقرار المنطقة، مع التأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

رسالة جزائرية

لا تنفصل العملية عن التحولات التي تعرفها منطقة الساحل، حيث أصبحت مسألة بناء القدرات العسكرية الوطنية محورا أساسيا في إعادة تشكيل المعادلات الأمنية الإقليمية. فالجزائر، من خلال هذه الخطوة، تقدم نموذجا للتعاون العسكري، يقوم على نقل وسائل وقدرات يمكن للجيش النيجري توظيفها مباشرة، مع توفير متطلبات الإسناد والصيانة واللوجستيك، وهو ما يجعل الدعم أكثر استدامة من مجرد تسليم معدات عسكرية دون منظومة تشغيل ومرافقة.

وتؤكد الهبة العسكرية الجزائرية للنيجر أن التعاون الدفاعي أصبح أحد المكونات الأساسية للعلاقات الثنائية وأن الجزائر تراهن على بناء شراكات أمنية مع دول الجوار، تقوم على الثقة والتنسيق والدعم المتبادل. كما تعكس العملية استمرار الجزائر في توظيف إمكاناتها العسكرية والخبرة التي راكمها الجيش، عبر عقود من مواجهة الإرهاب ومحاربة الجريمة المنظمة، في خدمة أمن المنطقة.