الوطن

سلطة الانتخابات أمام تحديات وجودية

استغلت بعض الأحزاب التي فشلت في تحقيق أهدافها الانتخابية قضايا التلاعب بالنتائج للدخول في لعبة إنكار وتبرير سوء نتائجها، وتحميل المسؤولية للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

  • 276
  • 2:32 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

شكلت حالات التلاعب بمحاضر الفرز ونتائج الانتخابات التشريعية، التي تورط فيها عدد من المشرفين والمراقبين والمترشحين ورؤساء البلديات، مساسا خطيرا بصورة المسار الانتخابي ومصداقية المؤسسات المنتخبة التي ستنبثق عنها.

وفيما تتواصل التحقيقات مع المشتبه فيهم والمتورطين، وإجراء تحقيقات شاملة لضرب كل من أساء للعملية الانتخابية وشوّه صورتها، تطرح هذه الأفعال إشكالية الجرأة التي يتمتع بها هؤلاء في انتهاك التشريع والمساس بإرادة الناخبين، إلى جانب التساؤل حول كيفية الوصول إلى هذا الحد من الاستهتار، والعجز عن منع أي تجاوزات تمس نزاهة الاقتراع.

وتتجاوز تداعيات هذه الممارسات الإطار القانوني الصرف، بالنظر إلى آثارها السياسية وتبعاتها على العملية الانتخابية ومصداقية المؤسسات المنتخبة المنبثقة عن الاقتراع الأخير، فضلا عن مكانة ودور الهيئة المشرفة على تنظيم الانتخابات والإشراف عليها. كما تعيد هذه القضايا إلى الواجهة ممارسات كانت محل انتقادات خلال مراحل انتخابية سابقة.

وقد استغلت بعض الأحزاب التي فشلت في تحقيق أهدافها الانتخابية هذه القضايا للدخول في لعبة إنكار وتبرير سوء نتائجها، وتحميل المسؤولية للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات. وينسحب الأمر أيضا على فئة من غير المنخرطين في العملية الانتخابية، الذين لم يفوتوا الفرصة للطعن في نتائج الاقتراع، خاصة أنها جاءت بالتزامن مع تسجيل أرقام قياسية في العزوف الانتخابي.

وتضع هذه التجاوزات المتورطين فيها أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية كبيرة، خصوصا فئة المشرفين على العملية الانتخابية، الذين يحملون، وفق تعريف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، مسؤولية "حماية الأمانة".

ولا تتوقف المسؤولية عند حدود المتورطين أو الذين انجرفوا وراء منافع مادية آنية، بل تمتد أيضاً إلى القيادات الحزبية التي سهلت أو غطت على هذه الممارسات. فباستثناء مجموعة محدودة من الأحزاب، لم يظهر قادة الأحزاب التي تورط ممثلوها في هذه التجاوزات الجرأة الكافية للتنديد بهذه الأفعال والتنصل من المتورطين.

وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه الجزائر قد راهنت على إصلاح الإطار الانتخابي من خلال إنشاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، بهدف منح العملية الانتخابية استقلالية أكبر وإنهاء سيطرة الإدارة على مسارات الاقتراع، بدءا من دراسة ملفات الترشح وصولا إلى إعلان النتائج وتحديد قائمة الفائزين.

ويرى ملاحظون أن المرحلة المقبلة، والجزائر مقبلة على استحقاقات انتخابية أكبر حجما، لا سيما الانتخابات المحلية المرتقبة وانتخاب مجلس الأمة بعد عامين ثم الرئاسيات، تتطلب إجراء تقييم عميق لمسار تنظيم الانتخابات، بما يسمح بإدخال إصلاحات أكثر شمولا وتعزيز الدور الرقابي لممثلي الأحزاب والمجتمع المدني.

ويشكل اقتراب نهاية عهدة الفريق الحالي المشرف على رئاسة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات (مارس المقبل) فرصة لمراجعة تركيبة الهيئة وتعزيز التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات، بما يسمح بمنح الأفضلية في عضوية مؤسسات السلطة، بدءا من مجلسها، لأشخاص لديهم تجربة وانخراط سابق في العملية الانتخابية.

وقد انتقد نواب، خلال مناقشة تعديلات قانون الانتخابات، التغييرات التي أدت إلى تقليص عدد أعضاء مجلس السلطة من 50 عضوا إلى 20 ثم إلى 10 أعضاء، إضافة إلى تقليص عدد أعضاء المندوبيات الولائية والبلدية، في وقت يترقب فيه ارتفاع عدد الدوائر الانتخابية ليصل إلى نحو 100 دائرة، وما يتطلبه ذلك من عمل ميداني خلال مختلف مراحل الاقتراع.

ولا يقتصر الإصلاح المأمول على الجانب الهيكلي فقط، إذ يبرز عامل الموارد البشرية كأحد الملفات التي تحتاج إلى مراجعة أعمق، خاصة ما يتعلق بتكوين المشرفين على العملية الانتخابية أو ما يعرفون بـ "حماة الأمانة". فالإشراف على مكاتب التصويت وضبط المحاضر ومتابعة عمليات الفرز، تتطلب تكوينا دقيقا ومعرفة بالإجراءات القانونية والتنظيمية لتفادي الأخطاء وضمان حسن سير العملية الانتخابية.