أظهرت الحصيلة الأخيرة للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات الخاصة بالانتخابات التشريعية لسنة 2026 انكماش لافت للقوائم الحرة في المسرح الانتخابي مقارنة باستحقاق 2021 الذي أثمر دخول 84 نائبا حرّا إلى المجلس الشعبي الوطني.
وحسب آخر جرد نشرته السلطة بمناسبة اكتمال آجال إيداع ملفات الترشح، بلغ عدد القوائم المودعة لدى السلطة في انتخابات 2 جويلية، ما مجموعه 852 قائمة، في مقابل 2490 قائمة تقدمت في بادئ الأمر خلال تشريعيات 2021، والتي قبلت السلطة منها آنذاك 1483 قائمة (646 حزبية و837 مستقلة) بعد غربلة واسعة شملت استبعاد قوائم بسبب ارتباط مرشحين فيها بالمال الفاسد.
ويبرز التراجع في الاستحقاق الحالي بشكل أوضح لدى القوائم المستقلة المقبولة التي انخفضت إلى 144 قائمة فقط في 2026 ومن غير المستبعد أن يتراجع العدد بمناسبة دراسة الملفات.
ويجد هذا التحول تفسيره في الصعوبات التي يواجهها الفاعلون السياسيون المستقلون في دخول اللعبة الانتخابية وجمع التوقيعات والخوف المتزايد من تبعات التلاعب بالتوقيعات على ضوء المحاكمات التي طالت مرشحين للانتخابات الرئاسية السابقة.
وفضل غالبية النواب الأحرار خلال العهدة الحالية خوض السباق الانتخابي تحت راية أحزاب أخرى أو العودة إلى عائلاتهم الأصلية، في ظل الحماية القانونية والسياسية التي يحوزون عليها حيث لا يخضعون لقيود التجوال السياسي. ولم يستطع العديد منهم مقاومة إغراءات الأحزاب، مثل حزبي "جبهة المستقبل" وحزب "التجمع الوطني الديمقراطي" اللذين استحوذا على حصة الأسد من كتلة الأحرار لتعزيز قوائمهما في هذا الاستحقاق.
وتؤشر هذه المعطيات إلى تراجع ظاهرة القوائم المستقلة التي شكلت نتائجها صدمة في انتخابات 2021 بفوز أربعة وثمانين مرشحا بمقاعد، بشكل جعلهم القوة البرلمانية الثانية في المجلس الشعبي الوطني وشريطا في القرار، وأثمر عن تولي مرشح مستقل (ابراهيم بوغالي)، رئاسة المجلس، بعدما كان عددهم في العهدة التي سبقتها لا يتجاوز 28 مقعدا.
ورغم إبقاء السلطات على سلسلة الدعم المالي للمترشحين المستقلين، وخفض عدد التوقيعات المطلوبة إلى 100 بدل 150، تقلص حضور الأحرار في المشهد، الأمر الذي يخدم مصالح الأحزاب السياسية التي طالما اشتكت في الأعوام السابقة من المعاملة التفضيلية التي يحوزها المنتخبون المستقلون، وعبرت عن مخاوفها من توجه لتهميش الأحزاب السياسية.
ومن المرجح جدا عدم تكرار مشهد تولي منتخب من الأحرار على منصب في المجلس، وعودة المكتب الكائن في الطابق الخمس من مبنى زيغود يوسف إلى شخصية حزبية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس تكتل "الحصن المتين"، شتوان جلول، في تصريح لـ"الخبر"، أن هذا التراجع المسجل في القوائم الحرة خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026 مقارنة باستحقاق 2021 لا يمكن قراءته من زاوية الأرقام فقط، بل يجب ربطه بالسياق السياسي والتنظيمي الذي تعرفه الساحة الوطنية خلال السنوات الأخيرة. وأوضح أن انتخابات 2021 شكلت مرحلة مفصلية في مسار المشاركة السياسية، حيث كانت القوائم الحرة تمثل آنذاك فضاء واسعا للتعبير لدى الشباب والكفاءات، في سياق اتسم برغبة قوية في التجديد وإعادة الحيوية للعمل السياسي. وأضاف أن المرحلة الحالية تختلف من حيث البنية السياسية، حيث اتجه عدد معتبر من الفاعلين ومناضلي المجتمع المدني نحو العمل داخل الأحزاب السياسية الوطنية، بعد ما وصفه بانفتاح هذه الأخيرة على الكفاءات والطاقات الجديدة، وهو ما ساهم في إعادة التوازن التدريجي داخل المشهد السياسي.
كما أشار المتحدث إلى أن بعض التجارب السابقة للقوائم الحرة حققت نجاحات معتبرة، لكنها في المقابل أظهرت نقائص تتعلق بالتنظيم والاستمرارية وضعف التأطير السياسي في بعض الحالات، ما دفع العديد من المترشحين إلى البحث عن أطر تنظيمية أكثر استقرار وفعالية. ورغم هذا التراجع، شدد شتوان جلول على أن القوائم الحرة تبقى مكونا أساسيا في الحياة السياسية، لما توفره من فضاء إضافي للتعددية وإبراز الكفاءات المحلية، شريطة أن تقوم على برامج واضحة ومشاريع سياسية قادرة على خدمة المواطن بعيدا عن الحسابات الظرفية أو الشخصية.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال