يجابه النواب الجدد تحديات كبيرة في أول عام لهم، في مرحلة تواجه فيها البلاد إكراهات إقليمية متنامية، ما يضعهم أمام ضرورة إيجاد توليفة مناسبة لإثبات شرعيتهم ومشروعيتهم، وتقديم بدائل وحلول تتجاوز الاكتفاء بالمعاينة والنقد أو الانخراط في التأييد المبتذل.
يتزامن انطلاق أشغال البرلمان مع الدخول الاجتماعي، وفي ظل أجندة حكومية مكثفة، يتوقع أن تتضمن تعديلا وزاريا واسعا وتقديم مخطط عمل محين ومشروع قانون المالية للسنة المقبلة.
وتجد المؤسسة التشريعية نفسها أمام صورة ثقيلة تراكمت خلال سنوات، باعتبارها في نظر منتقديها مجرد "غرفة تسجيل" أو "مؤسسة واجهة" محدودة التأثير. ولذلك سيكون على العهدة الجديدة أن تقدم ما يغير هذه الصورة النمطية، من خلال العمل داخل اللجان، فحص مشاريع القوانين، مناقشة الاعتمادات، ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية.
وتفرض الأحداث الأخيرة أعباء كبيرة على ممثلي الشعب، وخصوصا التدقيق في ملفات أضاحي العيد والحرائق الغابية وما خلفته من ضحايا وخسائر، وحوادث المرور المأساوية، فضلا عن اضطرابات التموين وسلاسل توريد مواد أساسية.
غير أن جزءا من هذه الملفات الساخنة مرتبط بتحقيقات قضائية، وهو ما يضيق مجال التحرك في الوقائع ذاتها، إذ يقع تحت طائلة أحكام المادة 159 من الدستور التي تنص على عدم إمكانية إنشاء لجنة تحقيق بشأن وقائع تكون محل إجراء قضائي. بمعنى أن تحديد المسؤوليات والبحث في تفاصيل الملفات المعروضة على العدالة يبقى خارج المجال البرلماني.
ورغم هذه الموانع يمكن للنواب التسلل خلف الخطوط، بفحص نقائص السياسات العمومية، كما تشكل جلسات الاستماع وآليات الرقابة والاستعلام فرصة للوقوف على مستوى الجاهزية، حجم الوسائل، ونقاط الضعف التي تظهر عند الأزمات.
ويمكن أيضا للنواب رغم حواجز المادة 147 ترك بصمتهم والاستجابة بأثر رجعي لمتطلبات تعزيز قدرات الحماية المدنية والغابات مثلا، دعم قطاع التضامن، وتحسين وسائل التدخل والوقاية، خلال مناقشة وتعديل قانون المالية.
وفي ملف حوادث المرور، توجد مساحة مختلفة للتحرك، من خلال وسائل مباحة عبر تقييم القانون الجديد للمرور ومدى ملاءمته لتحديات السلامة المرورية.
وتبقى أداة الجلسات الشهرية للمعارضة والاستجواب من بين آليات الرقابة التي يمكن استخدامها في القضايا ذات البعد الوطني. وتنص المادة 160 من الدستور على إمكانية استجواب الحكومة في مسألة ذات أهمية وطنية. لكن ممارسة هذه الأدوات تحتاج أيضا إلى هامش من الجرأة، فالخوض في الملفات الحساسة يضع النائب أمام مسؤولية سياسية وقانونية، وقد يجعل بعض النواب أكثر حذرا، خصوصا مع ما قد يرتبط بالممارسة البرلمانية من مساءلة أو مواجهة خطر رفع الحصانة النيابية.
ولا يختلف موقع النواب في ذلك حسب انتمائهم السياسي، فنواب الأغلبية يتحركون من داخل منظومة يفترض فيها دعم الجهاز التنفيذي ومرافقته، لكنهم يظلون مطالبين بنقل انشغالات المنتخبين والوقوف على الاختلالات التي تصلهم من الميدان. وفي الجهة المقابلة، تملك المعارضة حرية أكبر للضغط، رغم محدودية عددها في المجلس.
من جهة أخرى، تفرض المرحلة الراهنة على ممثلي الشعب التكيف السريع مع تحديات المرحلة والتعايش والعمل معا تحت قبة المؤسسة التشريعية لتجاوز الاستقطاب التقليدي وبناء تجربة برلمانية تتسم بالنجاعة والموضوعية دون الذوبان أو التنازل عن الخصوصية الحزبية.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المحتوى