يرتقب أن يعود الكثير من التلاميذ الذين ينحدرون من المناطق المتضررة من الحرائق بولاية جيجل إلى مقاعد الدراسة ضمن موسم جديد، في أجواء شاءت الأقدار أن تكون استثنائية وغير عادية بالنسبة لهم ولعائلاتهم، وهم الذين نجوا بأجسادهم النحيفة من وسط النيران الملتهبة، وعاشوا لحظات من الرعب ستظل راسخة في أذهانهم.
أمين، آدم، خولة، عبد الودود وآخرون من الأطفال كانوا يعيشون عطلتهم الصيفية في أجواء من البساطة والراحة واللعب وسط الطبيعة شأنهم شأن باقي زملائهم تلاميذ المناطق الريفية، ويعدون ما تبقى من أيامها تحسبا للدخول المدرسي الجديد، غير أن هذه العطلة لم تكتمل لديهم، حيث غيرت الحرائق التي اجتاحت ولاية جيجل يومي 26 و27 أوت الماضي مسار حياتهم، وكسرت جانبا من براءتهم، فوجدوا أنفسهم يعيشون ظروفا صعبة وسط سواد لا متناهي.
أطفال فقدوا أفرادا من عائلاتهم وآخرون عاشوا المأساة عن قرب
تشير المعطيات إلى أن هناك مئات التلاميذ المنتمين لمختلف الأطوار التعليمية، ممن نجوا من "المحرقة" عبر مختلف المناطق المتضررة بالولاية، يتأهبون للالتحاق بمقاعد الدراسة، على وقع آثار مخلفات الحرائق، وما عايشوه عن قرب من مشاهد لمأساة مرت بهم.
ففي مشاتي بلدية الجمعة بني حبيبي، وبلديات برج الطهر، العنصر، بوراوي بلهادف، الشحنة، أولاد عسكر، تاكسنة... وغيرها، يتحدث المواطنون عن وجود عدد من الأطفال في سن التمدرس لقوا حتفهم في الحرائق.
كما أن هناك الكثير من التلاميذ فقدوا أفراد من عائلاتهم، سواء كانوا أولياء أو إخوة وأخوات أو أجداد وأعمام وعمات وأخوال وخالات، كما هو الشأن بالنسبة لطفلة بقرية أولاد فاتح فقدت ثمانية من أفراد عائلتها. ويتعلق الأمر بأمهما وإخوتها الثلاثة، وكذا عميها وعمتيها، وكتب لها النجاة بعدما اختبأت من ألسنة اللهب داخل قناة إسمنتية لتصريف مياه الأمطار، وكذا طفل ببلدية برج الطهر فقد أمه وأخوين له.
كما أن هناك العديد من الأطفال ــ مثلما أضافوا ــ عايشوا عن قرب ما لحق بهم وبعائلاتهم وجيرانهم من مشاهد مرعبة لمخلفات نيران أتت على الأخضر واليابس، فارتسمت في أذهانهم صور للضحايا من أقاربهم سقطوا أمامهم، ومنازلهم التي كانت تحترق بالكامل.
ويقول لقمان "12 سنة" الذي يستعد للالتحاق بالدراسة في السنة الثانية متوسط، "لن أنسى تلك اللحظات طول حياتي... الحمد لله نجيت أنا وكافة أفراد عائلتي، لكن كل شيء داخل المنزل احترق... كنت قبل اندلاع الحرائق قد رتبت بعض مستلزمات الدراسة من ملابس وأدوات، غير أنها تحولت كلها إلى رماد، ولم أحتفظ إلا باللباس الذي كنت أرتديه".
الهبة التضامنية ساهمت في التخفيف من الوجع
من جهته يرى "أحمد" ولي تلميذ من الناجين من حرائق منطقة تيسبيلان ببلدية الجمعة بني حبيبي، بأن ابنه الذي يدرس في الطور الابتدائي لازال يعيش تحت الصدمة، بسبب ما عاشه من رعب أثناء قدوم ألسنة اللهب، وفقدان زميل له، مضيفا "لقد لجأنا إلى الإقامة في بيت آخر إلى حين إعادة ترميم المسكن الذي احترق، وتحسبا للدخول المدرسي، قمت بتوفير كافة المستلزمات له، بعد حصولي على مساعدات من محسنين.. وأقوم من حين لآخر بنقله إلى المدرسة التي يدرس بها قصد تهيئته نفسيا وإدخاله في أجواء الدراسة".
واعتبر المتحدث بأن الهبة التضامنية الكبيرة التي شهدتها المنطقة ساهمت في التخفيف من الأوجاع التي لازمت العائلات المتضررة، رغم أن جرح فقدان أقارب وجيران، حسبه، يبقى عميقا.
وفي هذا الإطار تتواصل على مستوى مختلف المناطق التي مستها الحرائق عمليات توزيع المستلزمات المدرسية على المتضررين، من طرف قوافل الإغاثة، حيث كشف رئيس المكتب الولائي للجمعية الجزائرية للإغاثة الإنسانية بأن الجمعية شرعت في توزيع ألف محفظة على تلاميذ العائلات المتضررة، والتي تطوع بها شباب وتجار منطقة أقبو بولاية بجاية.
ومن جهتها كشفت مديرية النشاط الاجتماعي بأنها قامت بتجهيز أزيد من 6500 محفظة مدرسية، وتسليمها إلى مصالح قطاع التربية، قصد توزيعها على التلاميذ المتضررين، بالموازاة مع إطلاق برنامج يضم حصصا للدعم النفسي لفائدة هذه الفئة، يسهر عليها أخصائيون من الخلية الجوارية للتضامن بالولاية وكذا خلايا مختلف الولايات، وذلك بهدف التخفيف من الصدمات التي يعاني منها هؤلاء التلاميذ ومساعدتهم على استعادة الاستقرار والطمأنينة.
وأكدت مصالح مديرية التربية من جانبها بأنه تم الانتهاء من ترميم وإعادة تأهيل المؤسسات التربوية المتضررة، والبالغ عددها 27 مؤسسة، منها 24 ابتدائية وثلاث متوسطات، مع تزيينها برسومات ولوحات تشكيلية ضمن مبادرة أطلقتها مديرية الثقافة.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المحتوى