الوطن

قضية الفساد في استيراد الأضاحي .. ما وراء الوقائع والأرقام

رسائل مشفرة خارج الإطار القانوني والإجرائي في بيان النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر.

  • 2055
  • 2:51 دقيقة
ص:ح.م
ص:ح.م

لم يأت البيان الذي تلاه النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر، محمد الكمال بن بوضياف، أمس، بخصوص قضية الفساد الضخمة التي صاحبت عملية استيراد مليون رأس من الغنم الخاصة بعيد الأضحى الماضي، جافا ومقتضبا، مثلما جرت العادة في بيانات القضاء التي تكتفي بسرد الوقائع والإجراءات المتخذة ومخرجات التحقيقات وطبيعة التهم الموجهة إلى المتهمين، وإنما حمل فقرات عديدة خارج إطار قانوني العقوبات والإجراءات الجزائية، تضم ما يمكن اعتباره رسائل مشفرة.

ومن حيث الشكل، جاء البيان في خمس صفحات كاملة، ساردا كل الوقائع والجوانب والمستويات التي طالها الفساد في العملية، ثم الإجراءات القضائية المتخذة، بشكل يوحي بأنها أقلقت السلطات وأرادت الذهاب إلى أبعد الحدود في تحديد المسؤوليات وفي التحقيق وتوجيه الاتهام، بدليل إقحام وإشراك فيها أربعة مصالح مركزية تابعة لأجهزة أمنية مختلفة لمباشرة "تحقيقات ابتدائية شاملة ومعمقة" وهي المصلحة المركزية العملياتية لمكافحة الجريمة المنظمة للدرك الوطني، والمصلحة المركزية لمكافحة الجريمة المنظمة للأمن الوطني، ومصلحة التحقيق القضائي للأمن الداخلي ومصالح الأمن الخارجي.

وبالرغم من أن الندوة الصحفية كانت مقتضبة ولم تفسح المجال لطرح أسئلة إضافية حول الفساد الذي طال العملية من ناحية بييطرية وصحية وبمسار الاستيراد في حد ذاته، وإلى أي مدى يمكن أن يتوسع التحقيق ليشمل أطرافا جديدة، إلا أن تلك الفقرات التي سبقت الكشف عن الوقائع والشبهات، شكلت حقلا دلاليا إضافيا على إمكانية أن يوسع القضاء إلى دائرة الاتهام، بالنظر إلى أن الفساد طال قرارا رئاسيا حساسا ويتعلق بقطاع واسع من الجزائريين وصحتهم.

وفي هذا الشق، بدأ النائب العام بيانه بذكر أصل المشروع وهدفه والغاية منه، قائلا "إن عملية الاستيراد جاءت تجسيدا لقرارات وتوجيهات السلطات العليا في البلد، وكان الهدف منها" قبل أن يضيف" أن الهدف من المشروع هو ضمان وفرة الأضاحي وضبط الأسعار لتمكين مختلف فئات المجتمع من أداء شعيرة عيد الأضحى في ظروف تحفظ كرامة المواطن".

وما يثير الانتباه في بيان النيابة العامة، اختيار مفردات وعبارات دقيقة لفصل الشق الأخلاقي عن الشقين الإداري والإجرامي في القضية، بقولها إن "نبل المقاصد ومهما بلغ سموها، لا يمنح أي جهة، مهما كانت صفتها او موقعها، حصانة ضد المساءلة"، وهو ما يمكن اعتباره رسالة أيضا موجهة إلى أطراف معروفة لدى الجهة القضائية.

ويبدو أن تضمين البيان هذه الفقرات ليس مجرد مقدمات أو تمهيد، إنما هو جزء من معالجة قضائية بدت غير عادية، وصدمت أطوارها الجزائريين، خاصة عندما تحدثت عن نقل رؤوس غنم جوا بـ 900 أورو للرأس وذبح صحي اضطراري لنحو 10 آلاف منها ونفوق 3 آلاف والمجازفة بالصحة العمومية، فضلا عن أساليب نهب المال العام التي طالت حتى الأقراط التعريفية للغنم.

ولم يكتف محرر البيان بهذا الجزء، وإنما أضاف، بعد سرد الوقائع والكشف عن مخرجات التحقيق وصفات وأدوار المتهمين، عدة فقرات، على غير العادة، تحمل ما يمكن اعتباره أيضا رسائل ذات بعد قانوني-سياسي، باستبعاد فرضية الخطأ في التسيير الذي رفع عنه التجريم، بتوجيهات رئاسية وتشويعات قانونية،  والإشارة إلى أن الوقائع "لا تختزل في مجرد خلل إداري عابر" و إنما هي "عملية وطنية استراتيجية سخرت لها الدولة إمكانيات مالية ضخمة وأي مساس بها هو مساس بالمال العام وتنظيم السوق والأمن الصحي".

وفي نفس الاتجاه، حاول القاضي كاتب البيان، على ما يبدو، ربط الوقائع بـ "المساس بسلامة الإدارة وبثقة المواطن في مؤسساته"، ما أضفى على الوثيقة بعدا سياسيا وحمّل التصريحات حمولة إضافية تخص جانب جوهري في العلاقة بين السلطات والمواطنين.

وتطرح هذه الخلفيات والفرضيات تساؤلات حول الجرأة التي امتلكها المتهمون في تنفيذ مخططات فساد تتعلق بقرار رئاسي ويفترض أنه محل متابعة صارمة.

كما يحيل البيان على تساؤلات حول وضعية الأشخاص الذين تحدثوا عن نفوق رؤوس غنم أثناء عملية الاستيراد وقاموا بتوثيقها، غير أنه تم توقيفهم من قبل أجهزة الأمن وصاروا بعد الكشف عن ملابسات الملف في وضع أقرب للبراءة منه إلى الإدانة والحبس والسجن.