الوطن

الغربلة ترسم مسارا انتخابيا وسياسيا جديدا

يتصدر برلمانيون ومنتخبون بالمجالس المحلية قائمة المترشحين الذين تم إقصاؤهم من قبل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

  • 2225
  • 4:19 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تتجه سلطة الانتخابات إلى تكريس مسار أخلقة العمل السياسي، وهو التوجه الذي بدأت معالمه تتشكل تدريجيا من خلال تشديد الرقابة على ملفات الترشح وإقصاء عدد من النواب الحاليين والمنتخبين من السباق الانتخابي، في خطوة يقابلها جزء من الطبقة السياسية بانتقادات وتحفظات.

يتصدر برلمانيون ومنتخبون بالمجالس المحلية قائمة المترشحين الذين تم إقصاؤهم من قبل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، والبالغ عددهم 269 مترشحا، وفي الجانب الإجرائي، تنظم المادة 206 من قانون الانتخابات آليات رفض ملفات الترشح والطعن فيها، حيث تنص على ضرورة أن يكون رفض أي ترشيح أو قائمة مترشحين معللا تعليلا قانونيا صريحا، بقرار يصدر حسب الحالة عن المنسق الولائي للسلطة المستقلة أو منسقها على مستوى الممثليات الدبلوماسية والقنصلية بالخارج.

كما يوجب النص القانوني تبليغ قرار الرفض خلال عشرة أيام ابتداء من تاريخ إيداع التصريح بالترشح، تحت طائلة البطلان، ويعتبر الترشيح مقبولا بانقضاء هذا الأجل دون رد. ويكون القرار قابلا للطعن أمام المحكمة الإدارية المختصة إقليميا خلال ثلاثة أيام من تاريخ التبليغ، فيما تفصل المحكمة في الطعن خلال أربعة أيام من تاريخ إيداعه، مع إمكانية استئناف الحكم أمام المحكمة الإدارية للاستئناف خلال ثلاثة أيام، على أن يتم الفصل خلال المدة نفسها.

ويستند توجه السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إلى أحكام القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، لاسيما الفقرة الثالثة من المادة الأولى التي تنص على أن من بين أهداف القانون تجسيد مبادئ الديمقراطية والتداول على السلطة وأخلاق العمل السياسي.

وأثار هذا السند القانوني الذي يطبق في سياق واسع لأول مرة بهذا الشكل، موجة من التحفظات بسبب ما يعتبره منتقدون صياغة عامة وفضفاضة قابلة للتأويل، مع غياب تعريف اصطلاحي دقيق يحدد مفهوم "المساس بأخلقة العمل السياسي"، وهو ما يفتح المجال، حسب متابعين، أمام نزاعات قضائية مرتقبة داخل المحاكم الإدارية.

وفي هذا السياق، أكدت حركة مجتمع السلم، في بيان لها، أنها سجلت "بقلق خطورة متزايدة للتوسع في تطبيق المادة 200 في معالجة ملفات المترشحين"، معتبرة أن ذلك أدى إلى إقصاء عدد من المترشحين "دون الاستناد إلى أدلة قانونية واضحة أو أحكام قضائية نهائية"، وهو ما عدته الحركة "مساسا خطيرا بالحقوق السياسية والدستورية للمواطنين".

وأضافت أن إقصاء مرشحيها استنادا إلى هذه المادة يفتح المجال -حسبها- أمام "استعمال إداري انتقائي للقانون"، من شأنه المساس بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص والتأثير على مصداقية الانتخابات، محذرة من أن استمرار مثل هذه الممارسات قد يؤدي إلى تكريس الانغلاق السياسي وتعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.

وانتقلت السلطة المستقلة للانتخابات من التركيز على محاربة المال الفاسد والأعمال المشبوهة إلى محاولة فرض معايير أوسع ترتبط بالنزاهة والسلوك السياسي، ما جعل دراسة ملفات الترشح تمر عبر مستويات متعددة من التدقيق والتحري قبل منح الضوء الأخضر للمشاركة.

وخلال انتخابات سنة 2021، تسببت الصلة مع أوساط المال الفاسد والأعمال المشبوهة في رفض 1199 مترشحا حزبيا ومستقلا، وهو ما مثل نسبة 53.4 بالمائة من أسباب الرفض، وفق أرقام السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

كما فجّر نطاق تطبيق الفقرة السابعة من المادة 200 حينها غضب الأحزاب السياسية والمترشحين الأحرار وحتى عدد من رجال القانون، واعتمدت السلطة المستقلة في ذلك الوقت، لإثبات صلة بعض المترشحين بالمال الفاسد والأعمال المشبوهة، على التحريات التي أجرتها الجهات الأمنية، بينما لجأ المرفوضون إلى المحاكم الإدارية للطعن في القرارات والمطالبة بتقديم أدلة مادية تثبت تلك الصلات.

رهان تعويض المقصيين والطعون

وتعيش الأحزاب والقوائم الحرة حالة من الضغط بعد توالي إقصاء مرشحيها، ما يضعها أمام تحدي استكمال إجراءات الطعن أو تعويض الأسماء المرفوضة مع الحفاظ على استيفاء الشروط القانونية.

وتشكل هذه المرحلة تحديا تنظيميا وقانونيا حقيقيا بالنسبة للتشكيلات السياسية والقوائم الحرة، لاسيما في ظل الحاجة إلى ضمان استمرارية القوائم والمحافظة على توازنها القانوني بعد إقصاء بعض الأسماء المرشحة، سواء تعلق الأمر بمترشحين جدد أو شخصيات منتخبة أو حتى نواب حاليين وفي هذا السياق، تداول نشطاء وراغبون في الترشح أنباء بإقصاء عدد من النواب الحاليين وبعض المنتخبين المحليين من سباق الترشح للتشريعيات المقبلة، وهي معطيات لم تصدر بشأنها إلى غاية الآن بيانات رسمية من الأحزاب أو القوائم الحرة توضّح عدد الحالات أو مبرراتها، غير أن مجرد تداول هذه الأخبار فتح الباب أمام نقاش واسع حول الانعكاسات التي قد تترتب على القوائم الانتخابية.

وتجد الأحزاب السياسية نفسها أمام تحدّ مزدوج، فمن جهة يتعين عليها استكمال الإجراءات القانونية والإدارية المرتبطة بمتابعة ملفات مترشحيها والتأكد من الوضعية النهائية لكل حالة رفض من خلال التوجه إلى المحكمة الإدارية للاستئناف والمحكمة العليا، ومن جهة ثانية قد تضطر إلى التحرك بسرعة لإيجاد بدائل قادرة على تعويض المترشحين المقصيين مع الحفاظ على التوازنات التي يفرضها القانون داخل القوائم.

ويزداد هذا التحدي تعقيدا بالنظر إلى أن عملية التعويض لا ترتبط فقط بإيجاد أسماء جديدة، وإنما بضرورة احترام الشروط القانونية الخاصة بتشكيل القوائم، خاصة تلك المتعلقة بنسبة الشباب، وتمثيل الجامعيين، فضلا عن استكمال الملفات الإدارية بشكل مستعجل وقد يفرض إقصاء مترشح واحد في بعض الحالات إعادة النظر في تركيبة كاملة داخل القائمة، خصوصا إذا كان المعني يندرج ضمن الفئات التي تسمح بتحقيق النسب المطلوبة قانونا، ما يدفع الأحزاب والقوائم الحرة إلى البحث عن بدائل تتوفر فيها المعايير نفسها وفي آجال قد تكون قصيرة نسبياً.

كما يبرز تحدّ آخر لا يقل أهمية ويتمثل في ضرورة التأكد من أن الأشخاص الذين قد يتم الدفع بهم لتعويض المترشحين المرفوضين لا يواجهون بدورهم الإشكالات نفسها التي كانت سببا في رفض أسماء سابقة، خاصة ما تعلق بالشبهات المرتبطة بالمال الفاسد أو التأثير غير المشروع على المسار الانتخابي وهو ما نصت عليه المادة 200 من قانون الانتخابات والتي شددت على ضرورة ألا يكون المترشح على صلة بالمال الفاسد أو بالأوساط والمصالح التي يمكن أن تؤثر على شفافية العملية الانتخابية أو نزاهتها، وهو الشرط الذي أصبح يشكل أحد المعايير الأساسية في دراسة أهلية المترشحين.