الوطن

الأسواق.. الحلقة المفقودة في ضبط الأسعار

تضمن تصور أعده خبراء ومهنيون في وقت سابق تخصيص مساحات واسعة على مستوى محاور الطرق الرئيسية لإنجاز أقطاب تجارية كبرى، بطاقة استيعاب لا تقل 500 متر مربع لكل محل.

  • 2097
  • 3:04 دقيقة
الصورة: ح.م.
الصورة: ح.م.

تفرض التدابير التي أقرها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لضبط أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية وضمان وفرتها، إعادة تنظيم تجارة الجملة، من خلال إنشاء أقطاب تجارية كبرى تخضع للرقابة، وتتيح تتبع السلع والمخزون والمعاملات المالية ومسارات البيع، من المنتج والمستورد إلى المستهلك، بما يحد من تعدد الوسطاء الوهميين والمضاربة ويعزز شفافية السوق.

فمراقبة الأسعار لا ينبغي أن تقتصر على معاينة الفواتير وتكثيف خرجات مناسباتية لأعوان الرقابة أمام كاميرات المواقع الإلكترونية، بل تتطلب معرفة الكميات المنتجة والمستوردة، وحجم المخزون، مصادر التموين وهوامش الربح في مختلف مراحل التسويق.

ويبرز واقع الأسواق غير المنظمة، على غرار سوق السمار بالعاصمة، وغيرها من الأسواق الأخرى صعوبة تتبع هذه الحلقات في ظل تشتت المخازن وتعدد نقاط البيع، دون أن يعني ذلك تحميل هذه الأسواق وحدها مسؤولية اختلالات الأسعار.

ويُشار في هذا السياق إلى مقترحات إنشاء أسواق كبرى، باعتبارها أحد الخيارات المطروحة لإعادة تنظيم تجارة الجملة. فقد تضمن تصور أعده خبراء ومهنيون في وقت سابق تخصيص مساحات واسعة على مستوى محاور الطرق الرئيسية لإنجاز أقطاب تجارية كبرى، بطاقة استيعاب لا تقل 500 متر مربع لكل محل، مع توفير فضاءات مخصصة للمواد الغذائية والتجهيزات الكهرومنزلية، مرافق للتبريد، فروع بنكية وأجهزة دفع إلكترنية، وهياكل ثابتة لمراقبة النوعية، بما يسمح بتجميع المتعاملين وتسهيل مراقبة السلع والمعاملات التجارية ومسارات التوزيع.

وشملت التصورات أيضا إنشاء فضاءات مماثلة بشرق البلاد وغربها، بما يسمح بتشكيل شبكة وطنية لأسواق الجملة المنظمة وتخفيف الضغط عن المخازن والمحلات المنتشرة داخل النسيج الحضري والتي تظل حلقة في سلسلة المضاربة والتجزئة خارج منطق السوق باعتبارها الملاذ الآمن لشاحنات شبكات البيع النهائي للمواد الأساسية.

ومن شأن هذه الأقطاب تجميع المتعاملين وتسهيل مراقبة الفوترة وحركة السلع والتخزين وجودة المنتجات، فضلا عن توفير بيانات دقيقة حول الكميات الداخلة إلى السوق والخارجة منه، ومصادر التموين والجهات المستفيدة من التوزيع، كما تتيح تحديد مواقع الاختلال، سواء تعلق الأمر بارتفاع الأسعار عند الإنتاج أو الاستيراد، أو تضخم هوامش الربح خلال الوساطة، أو حجب كميات من السلع عن قنوات التموين المعتادة.

التخزين المنظم ومراقبة التجارة الفوضوية

وتكتسب هذه المنظومة أهمية إضافية في ظل التدابير الرئاسية المتعلقة بتنظيم نشاط الوسطاء الذين يتعين تحديد هوياتهم وإنجاز تحقيقات تأهيلية دقيقة حولهم، وتسقيف أسعار وهوامش ربحهم مع وإنشاء قاعدة بيانات رقمية للمتابعة اليومية لأنشطتهم سواء في الخضر والفواكه، المواد الغذائية ومواد التموين وخصوصا أرصفة موانئ الصيد البحري عبر طول الساحل الوطني.

كما يمكن أن تدعم آلية شراء فائض الإنتاج المحلي وتخزينه ثم طرحه عند ظهور مؤشرات على ارتفاع الأسعار، من خلال مخازن مجهزة وسجلات دقيقة لعمليات الدخول والخروج، مع مراقبة شروط الحفظ والمعاملات المالية، تفاديا لتحول التخزين إلى وسيلة لحجب السلع. ويسمح ذلك أيضا بتقليص تلف المنتجات سريعة التأثر وتحسين توزيعها بين الولايات، بالتنسيق بين المنتجين والمستوردين وتجار الجملة والسلطات المحلية ومصالح التجارة.

ولا يكتمل الإصلاح دون تنظيم نشاط التجار المتجولين والقضاء على التجارة الفوضوية أو ما يسمى بظاهرة "الهربين" التي تسببت في القضاء على التجارة المنظمة، وتشديد الرقابة على محيط أسواق الجملة، وحتى مذابح الأنعام والدواجن خصوصا ليلا، حيث تثار مخاوف بشأن شبكات تقتني المنتجات مباشرة من المنتجين وحتى من المستوردين أو على حواف الأسواق، ثم تعيد بيعها في مناطق أخرى بأسعار مرتفعة، خارج مسارات التوزيع والفوترة المعتادة. وتستدعي هذه الممارسات، متى ثبتت، تتبعا دقيقا للسلع ومكافحة تعدد الوسطاء غير المبرر، مع إلزام التجار المتجولين بالعمل في فضاءات محددة وخاضعة للرقابة.

ويوازي ذلك ضرورة إعادة الاعتبار للأسواق المغطاة -التي اندثرت بفعل الانفلات في الشوارع والطرقات- من خلال تهيئتها وتحديث مرافقها وتحسين شروط التموين والتخزين والنظافة، وتوفير فضاءات ملائمة للتجار النظاميين، حتى تستعيد دورها وهويتها في تقريب المنتجات من المستهلك وتوفير بديل عملي عن النشاط العشوائي.

إن التحدي لا يتعلق فقط بتكثيف الرقابة وفرض العقوبات الظرفية، بل ببناء منظومة متكاملة تجمع بين أسواق الجملة المنظمة، والتتبع الرقمي للسلع والمعاملات، مراقبة المخزون والفواتير، ضبط الوسطاء وهوامش الربح، وضمان المنافسة العادلة. فكلما اتضحت مصادر التموين والكميات المتاحة ومسارات التوزيع، ازدادت قدرة السلطات على التدخل الاستباقي لمواجهة الندرة والمضاربة، وتحقيق استقرار أكبر للأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.