لقد أظهر الشعب الجزائري تعاونا كبيرا في مواجهة الحرائق الهائلة التي عمت ربوع وطننا العزيز الغالي، فلقد تسارع المواطنون لمساعدة رجال الحماية المدنية وأسلاك الجيش المختلفة في هبة تضامنية عظيمة تدل على مدى الحس الأمني والتراحم الكبير الذي يغمر مشاعر وقلوب الجزائريين. وبهذه المناسبة لا يفوتنا أن نشكر رجال الحماية المدنية، نثني على الجهد العظيم الذي بذلوه في سبيل إخماد النيران التي ظلت مشتعلة لمدة طويلة، ولقد بذلوا أرواحهم رخيصة من أجل حماية المواطنين والممتلكات والثروة الغابية والحيوانية.
يُعد التعاون في الإسلام ركيزة أساسية وقيمة جوهرية لدفع الأضرار وجلب المنافع، وتتجلى أهميته الكبرى في مواجهة الأخطار عبر تحقيق التلاحم المجتمعي، لإنجاز المهام الشاقة، وتجسيد الوحدة الإسلامية، يقول الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد (أي دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في ذلك) بالسهر والحمى”، ولقد شبّه النبي صلّى الله عليه وسلم المؤمنين بقوله: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا”.
وإن من ثمار وأهمية التعاون في درء الأخطار: إنجاز الصعاب وتذليل الأعمال الكبيرة التي يعجز الفرد الواحد عن مواجهتها بمفرده. وإزالة العجز وبث شعور القوة والثقة، وإبدال الخوف بالأمان والاطمئنان المجتمعي. وأيضا تماسك الجسد الواحد ومنع التشتت والضعف، وحماية المجتمع من الاختراق أو الانهيار أمام النكبات والأزمات. وكذا إطفاء الضغائن ونزع أسباب الحقد والحسد بين الأفراد وزرع الألفة والمحبة.
إن التعاون على البر والتقوى من أفضل القربات التي يتقرب بها المسلم لله تعالى؛ إذ يعتبر التعاون على الخير بين أفراد المجتمع ضرورة إنسانية واجتماعية، لا يستطيع الناس الاستغناء عنها. لأنه يعزز الروابط الاجتماعية ويسهم في تحقيق التنمية الشاملة، والتعاون هو أحد المقومات الأساسية لأي مجتمع ناجح، فالإنسان لا يستطيع أن ينجح بمفرده أو أن يقوم بكل المهام المنوطة به دون اللجوء لأحد، فالتعاون شكل أساسي من أشكال تحقيق التوازن الكوني، حيث أنه لا يتم بين البشر فقط بل يحدث التعاون أيضَا بين جميع الكائنات الحية.
قال عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله تعالى عن هذا بقوله: “الإنسان مدني بالطبع؛ أي: لا بد له من الاجتماع، وبيانه أن الله سبحانه خلق الإنسان وركَّبه على صورة لا يصح حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته، وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء، غير موفية له بمادة حياته منه.. ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المعدة للمدافعة؛ لكثرتها وكثرة الصنائع والمواعين المعدة لها، فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه، وما لم يكن ذلك التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء، ولا تتم حياته لِما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته، ولا يحصل له أيضا دفاع عن نفسه لفقدان السلاح، فيكون فريسة حيوانات، ويعاجله الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر، وإذا كان التعاون، حصل له القوت للغذاء والسلاح للدفاع، وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه، فإذًا هذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني، وإلا لم يكمُل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم”.
والتعاون في درء الكوارث في الإسلام واجب ديني واجتماعي أصيل يقوم على التراحم، التكافل، والعمل المشترك لرفع البلاء عن الناس. وقد حثّت الشريعة الإسلامية على التكاتف في أوقات الأزمات لحفظ الأنفس والممتلكات.
ولقد وضع الإسلام خطة شرعية عملية تعالج الكوارث الطبيعية عند نزولها وإصابة البشرية بها، وهي خطة تقوم على ركيزة أساسية نلخصها في دعوة الإسلام المسلمين جميعا إلى التحرك العملي لمواجهة ما نزل باعتماد إجراء شرعي علاجي يخفف على الناس ما أصابهم من بلاء ومحن، وهذا الإجراء يتمثل في أمور عديدة مستفادة من توجيهات إسلامية كثيرة، نذكر منها: القيام بواجب المواساة والمعونة. وتقديم المواساة العينية لمن حلت بهم الكوارث الطبيعية؛ ومن التطبيقات العملية لتوجيهات الإسلام في هذا الباب ما نجده من تضامن وتآزر الأشعريين زمن البعثة النبوية لما تنزل ببعضهم الكوارث الطبيعية كالجفاف والجوائح، فاستحقوا بذلك ثناء الرسول صلّى الله عليه وسلم ومدحه، إلى جانب المشاركة الوجدانية للمصابين بالكوارث الطبيعية، مع أخذ المبادرة لإسعاف المنكوبين وإنقاذهم.
وعلينا الاستعانة بالذكر والدعاء، فلقد ورد في الأثر التوجيه بالتكبير عند رؤية الحريق لتهدئة النفوس والتوجه إلى الله مع بذل الجهد المادي في الإطفاء.
الخبر
26/07/2026 - 23:47
الخبر
26/07/2026 - 23:47
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المحتوى