رياضة

"بيتكوفيتش .. ارحل"

امتد الغضب الجماهيري إلى رئيس "الفاف" بسبب تجديد عقد المدرب السويسري قبل المونديال.

  • 9245
  • 3:37 دقيقة
فلاديمير بيتكوفيتش
فلاديمير بيتكوفيتش

"ارحل... ديڤاج"... كانت هذه أكثر عبارة ترددت في محيط ملعب فانكوفر، عقب نهاية مواجهة الجزائر وسويسرا في الدور الـ16 النهائي من كأس العالم 2026.

لم يكن فلاديمير بيتكوفيتش بحاجة إلى الالتفات نحو المدرجات أو لأن يقوم بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ليدرك حجم الغضب الذي خلفه السقوط بتلك الطريقة المهينة أمام منتخب بلاده، فقد لاحقته صافرات الاستهجان والشتائم منذ مغادرته أرضية الميدان، واستمرت حتى عند وصول بعثة المنتخب إلى الفندق، في مشهد نادر يعكس حجم الصدمة والغضب التي عاشها الأنصار.

ولم يكن هذا الغضب سببه الإقصاء في حد ذاته، لأن الجماهير الجزائرية مثلها مثل غيرها، تدرك أن الخسارة تبقى جزءا من كرة القدم، وأن بلوغ الدور الـ16 في كأس العالم ليس نتيجة سيئة.. لكن ما لم يغفره الأنصار هو الطريقة التي خرج بها "الخضر" من المنافسة، بعد واحدة من أضعف مبارياتهم منذ سنوات، أداء ونتيجة، أمام منتخب سويسري بدا متفوقا في كل شيء لدرجة أنه منحنا الانطباع بأنه بصدد خوض حصة تدريبية.

فبعد دقائق أولى "خادعة" ظهر المنتخب الجزائري مندفعا ومستحوذا، بدأت حقيقة الميدان تتجلى، مدرب سويسرا ياكين ظهر وكأنه قرأ جيدا فكر بيتكوفيتش، ترك له الحرية والاستحواذ ثم انتقل ليضربه في مقتل عبر الهجمات المرتدة، لنرى صورة مكررة عما شاهدناه في مباراة الأرجنتين وقبلها نيجيريا، لا شخصية، ولا روح، ولا ردة فعل، ولا أفكار هجومية، ولا قدرة على مجاراة نسق المنافس.

بدا الفريق تائها بين خطوطه، فاقدا للثقة، وعاجزا عن فرض أسلوبه أو حتى تهديد مرمى سويسرا بشكل حقيقي، ليترك الانطباع بأنه استسلم للمباراة قبل نهايتها بوقت طويل.

وإذا كان الإقصاء في حد ذاته لا يصنع أزمة، فإن الطريقة التي حدث بها هي التي فتحت أبواب الانتقادات على مصراعيها. فالمنتخب الذي اختلف الجزائريين في تقييمه في الدور الأول اختفى تماما في أول اختبار حقيقي أمام منتخب من المستوى الجيد، وقدم نسخة باهتة أعادت إلى الأذهان إخفاقات سابقة في المواعيد الكبرى، عندما كان الفريق يسقط ليس بسبب فارق الإمكانات فقط، وإنما بسبب عجزه عن مجاراة نسق المباريات الحاسمة.

وما يزيد من الحسرة والغضب أن المنتخبات الإفريقية الأخرى التي خرجت من هذا الدور قدمت بعكس "الخضر" أداء مشرفا ومقبولا أمام منتخبات أقوى وأعتى، في صورة ما قدمه منتخب الكونغو الديمقراطية (في أول مشاركة له منذ 1974).

وأضحى بيتكوفيتش في قلب العاصفة، بعدما أجمع نقاد ومحللون ولاعبون سابقون، إلى أبسط مناصر ومشجع، أنه يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية. فالمدرب السويسري خسر المعركة التكتيكية أمام مواطنه مراد ياكين، الذي عرف كيف يعطل مفاتيح لعب المنتخب الجزائري ويستغل نقاط ضعفه، بينما بدا مدرب "الخضر" عاجزا مرة أخرى عن إيجاد الحلول أو تعديل خطته مع مجريات اللقاء.

وأثارت خياراته الفنية موجة واسعة من الاستغراب، وفي مقدمتها الإصرار على اللعب دون قلب هجوم صريح، والاعتماد على مهاجم وهمي لم يقدم أي إضافة، في وقت كان المنتخب بحاجة إلى لاعب يشكل نقطة ارتكاز داخل منطقة الجزاء. كما افتقد الفريق إلى التنظيم والانسجام، وظهر وكأنه يلعب دون هوية واضحة أو خطة قادرة على إرباك المنافس، وقبل هذا وذاك نفس الهشاشة الدفاعية التي ظهرت في المباريات السابقة تكررت وبصورة أسوأ في هذه المباراة، ليكون الإقصاء نتيجة منطقية وتكريسا لفشل عام لمنتخب لم يجد معالمه.

ولم يتوقف الغضب عند بيتكوفيتش، بل امتد إلى رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم وليد صادي، الذي تعرض بدوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي لانتقادات لاذعة بسبب قرار تمديد عقد الناخب الوطني إلى غاية 2028 قبل انطلاق المونديال، مع رفع راتبه الشهري إلى نحو 160 ألف يورو.

ويرى منتقدو هذا القرار أن التأهل إلى نسخة تضم 48 منتخبا بمشاركة منتخبات غير معروفة أصلا مثل كوراساو وهايتي وغيرهما لم يكن كافيا للحكم على نجاح نسخة "الخضر" مع بيتكوفيتش، خاصة أن المنتخب أظهر خلال التصفيات مؤشرات تدعو إلى القلق، بعدما عجز حتى عن تحقيق الفوز على غينيا ذهابا وإيابا، قبل أن تتأكد تلك المخاوف في أول اختبار حقيقي خلال الأدوار الإقصائية للمونديال.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تحول الغضب إلى حملة واسعة، حيث تصدر وسم "بيتكوفيتش ارحل" مختلف المنصات، وسط إجماع غير مسبوق على أن المرحلة الحالية وصلت إلى نهايتها، وأن المنتخب بحاجة إلى مشروع جديد يعيد إليه شخصيته وروحه التنافسية. ليبقى أن الإقصاء من كأس العالم قد يحدث لأي منتخب، حتى لأكبر المنتخبات في العالم، لكن ما حدث في فانكوفر وقبلها في كنساس بمناسبة المباراة الأولى، وقبلهما أيضا في مراكش أمام نيجيريا، ترك شعورا مختلفا لدى الجزائريين. فالهزيمة لم تكن مؤلمة بسبب نتيجتها فقط، بل لأنها جاءت بعد أداء افتقد إلى الروح والشخصية والهوية، وهي أمور لطالما كانت عنوان المنتخب الجزائري حتى في أصعب هزائمه. لذلك، فإن تداعيات هذا السقوط تبدو مرشحة لأن تتجاوز حدود مباراة واحدة، وقد تفتح الباب أمام مراجعات عميقة داخل المنتخب والاتحاد الجزائري لكرة القدم خلال المرحلة المقبلة.