العالم

القرن الإفريقي.. من هامش الأزمات إلى مركز الثقل العالمي

لم يعد القرن الإفريقي مجرد بقعة جغرافية تعاني من ويلات الحروب والفقر، بل تحول إلى واحدة من أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في العالم.

  • 232
  • 4:23 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

لم يعد القرن الإفريقي مجرد بقعة جغرافية تعاني من ويلات الحروب والفقر، بل تحول إلى واحدة من أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في العالم، وهو ما يمكن تفسيره بنظرية "الجغرافيا السياسية" التي ترى أن موقع الدولة هو قدرها الاستراتيجي. فمن خلال إشرافه على مضيق باب المندب، وهو أحد أخطر الممرات المائية في العالم، أصبح هذا الإقليم بمثابة "بوابة" تتحكم في تدفق التجارة العالمية والطاقة وليس مجرد "ممر" تعبر منه. هذا التحول يعكس ما يسمى في الأدبيات الاستراتيجية بـ"أهمية النقاط الحرجة" أو "Choke Points"، حيث يتحكم موقع جغرافي ضيق في مصير اقتصاديات بأكملها، وهو ما يجعل الإقليم ينتقل من كونه هامشيا إلى كونه محوريا في المعادلات الدولية.


هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تقاطع ثلاثة عوامل رئيسية هي: الأهمية الجيواستراتيجية للممرات المائية وربطها بأسواق الطاقة والهشاشة الداخلية للدول التي تتحكم في هذه الممرات، ما يجعلها ساحة للنفوذ الخارجي والتنافس العالمي والإقليمي المحتدم، الذي يحول الإقليم إلى مسرح للصراعات بالوكالة.

القرن الإفريقي كـ"نقطة تحكم" لا "ممر عبور"
تستمد أهمية القرن الإفريقي من موقعه الفريد كحارس جنوبي للبحر الأحمر، حيث يلتقي المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، ولكن الفارق الجوهري الذي يرفع من قيمة الإقليم، كما يوضح النص، هو قدرته على التحكم في هذا الممر وليس فقط المرور منه. فمضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه 30 كيلومترا، هو بمثابة صمام أمان للاقتصاد العالمي. ويعبر المضيق نحو 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات، بالإضافة إلى ملايين البراميل من النفط والغاز يوميا.


بالمقابل، فإن أي اضطراب يؤدي إلى تحويل السفن حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف ما بين 10 إلى 14 يوما للرحلة ومليون دولار إضافي من تكاليف الوقود، حيث ترتبط مصالح الدول المتقدمة (أوروبا وآسيا) بأمن منطقة نائية وغير مستقرة، وأي هزة في هذا المضيق لا تؤثر على الصومال أو اليمن فحسب، بل تمتد إلى رفوف المتاجر في أوروبا وخطوط الإنتاج في آسيا. وهذا ما يجعل تدويل الأزمة أمرا حتميا، كون الأمن الجماعي يتحقق بتضافر الجهود لحماية المصالح المشتركة.

إرث الاستعمار وهشاشة الدولة
لا يمكن فهم الصراعات في القرن الإفريقي دون العودة إلى جذورها التاريخية. فوفقا للنظرية" البنائية" في العلاقات الدولية، فإن الهويات والمصالح ليست ثابتة، بل تتشكل عبر السياق التاريخي والاجتماعي. وقد لعبت الحدود الاستعمارية المصطنعة دورا رئيسيا في تفتيت النسيج الاجتماعي للقبائل والعشائر، ما أنتج دولا هشة تفتقر إلى "الهوية الوطنية الجامعة"، ويمثل الصومال النموذج الأكثر دراماتيكية. فالحرب الأهلية وتداعيات حرب أوغادين مع إثيوبيا أدت إلى انهيار الدولة المركزية وغياب السلطة حوّل التنافس القبلي التقليدي (على المياه والمراعي) إلى محرك رئيسي للاستقطاب والعنف، وحتى النظام الفيدرالي الذي أُقر عام 2012، وعلى الرغم من أنه حل نظري، إلا أنه عمق الأزمة حين جعل الولايات الإقليمية (القبلية) تتفوق على الحكومة المركزية ودخلت في اتفاقات أمنية واقتصادية مباشرة مع قوى خارجية كالإمارات وكينيا، وهو ما يسمى بـ "دبلوماسية الولايات" التي تقوض السيادة الوطنية، فضلا عن بروز قضية الإقليم الانفصالي صوماليلاند.


في الجانب الآخر، كان نموذج الفيدرالية العرقية الذي أُقر عام 1991 عاملا رئيسيا في إشعال الصراعات الداخلية. فهذا النظام، الذي أسس لإدارة حدود صلبة بين الأعراق، عزز فكرة "العرقيات الأصيلة" مقابل "الدخيلة"، ما أوصل إثيوبيا إلى حرب تيغراي الكارثية وتمردات مسلحة مستمرة. هذه الهشاشة الداخلية في كلا البلدين جعلتهما عرضة للاختراق الخارجي، حيث وجدت القوى الإقليمية والدولية في الانقسامات مدخلا مفضلا للنفوذ.
وتشكل إثيوبيا حالة استثنائية وجوهرية في معادلة القرن الإفريقي. فبما أنها أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان (أكثر من 120 مليون نسمة)، فإنها تعاني من أزمة وجودية تتمثل في "التبعية المينائية" لجيبوتي (أكثر من 95% من تجارتها). هنا يبرز مفهوم "الجغرافيا العقابية" أو" الحصار الجغرافي"، حيث يكون الحلم بالمنفذ البحري قضية أمن قومي لا تقبل المساومة.


وكان توقيع مذكرة التفاهم مع إقليم صوماليلاند الانفصالي عام 2024 نقلة نوعية في الصراع، فهي لم تكن مجرد صفقة اقتصادية، بل إعادة رسم للخريطة السياسية للإقليم، حيث منحت إثيوبيا حق إنشاء قاعدة بحرية على ساحل خليج عدن (لمدة 50 عاما)، مقابل اعترافها باستقلال صوماليلاند عن الصومال الأم. هذا التحرك، أشعل غضب مقديشو ودفعها للتحالف مع مصر وإريتريا، ما خلق قطبية جديدة في المنطقة: معسكر (إثيوبيا - صوماليلاند - الإمارات) مقابل معسكر (الصومال - مصر - إريتريا – تركيا).
هذا الصراع هو مثال حي على "معضلة الأمن" في العلاقات الدولية، حيث إن سعي دولة (إثيوبيا) لتعزيز أمنها (بالحصول على منفذ) يولد شعورا بانعدام الأمن لدى دول أخرى (الصومال، إريتريا)، ما يؤدي إلى سباق تسلح وتحالفات مضادة ويدفع المنطقة نحو اصطفافات وتجاذبات.

التنافس الدولي والإقليمي.. صراع القواعد والموانئ
تتزاحم في القرن الإفريقي سبع قوى رئيسية على الأقل، حيث تسعى كل دولة لتعظيم مكاسبها وقوتها النسبية في بيئة دولية فوضوية. فقد تبنت الإمارات استراتيجية "الموانئ كأصول جيوسياسية"، فأنشأت شبكة من الموانئ والقواعد على طول الساحل (بربرة في صوماليلاند، عصب في إريتريا)، ليس فقط لتعزيز نفوذها التجاري ولكن لتأمين خطوط إمدادها ومواجهة خصومها الإقليميين، فيما تدعم تركيا السيادة الصومالية، من خلال قاعدتها في مقديشو، ما يتيح لها وزنا في الداخل الصومالي ومنافسة النفوذ الخليجي، مقابل تحرك مصري بدافع حماية أمنها القومي المائي من سد النهضة وحماية عائدات قناة السويس المتأثرة باضطرابات البحر الأحمر، فأقامت تحالفا دفاعيا مع الصومال وإريتريا، وهو ما يمثل "إستراتيجية التوازن" ضد التوسع الإثيوبي والإماراتي.


ويمثل حضور الصين بصورة أعمق وأطول نفسا، حيث تمتلك قاعدة في جيبوتي (قاعدة دعم بحري) واستثمارات ضخمة في مبادرة "الحزام والطريق" وتركز على حماية أصولها الاستراتيجية، فيما تركز الولايات المتحدة على "مكافحة الإرهاب" وتأمين الملاحة ومواجهة النفوذ الصيني، من خلال قاعدتها في جيبوتي، وهي مقاربة تكتيكية أكثر منها استراتيجية، مع تسجيل تواجد للكيان، لاسيما بعد الاعتراف بصوماليلاند الذي فتح بابا جديدا للتنافس، لتظل المنطقة بين منطق الاستقطاب والاحتواء.