العالم

القارة  العجوز تستعد لـ"سبت أسود" جديد

أوروبا تحت وطأة الحراك والاستعانة بالجيش.

  • 497
  • 3:45 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تتجه فرنسا وإيطاليا، إلى نهاية أسبوع مشحونة باحتجاجات مرتقبة، وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة تشمل الدفع بعناصر من الجيش إلى الشوارع، وتوسيع نطاق حظر التجول الجزئي في فرنسا، واستنفارا في إيطاليا تحسبا لتجدد أعمال الشغب والنهب. وتأتي هذه التطورات بعد موجة احتجاجات واسعة اندلعت على خلفية الغلاء وتردي الخدمات العامة، وسرعان ما تحولت في بعض المدن إلى مواجهات وتخريب ونهب، ما يضع الحكومات الأوروبية أمام معادلة صعبة: حفظ النظام العام من دون إغلاق مساحة الاحتجاج السياسي.

فرنسا  الجيش في الخلفية... و"السترات الصفراء"  تعود للواجهة

أعلن وزير الداخلية لوران نونيز في فرنسا، أن بلاده ستعزز قوات الشرطة بعناصر من الجيش خلال احتجاجات السبت المقبل، بهدف تخفيف العبء عن الشرطة والدرك في مهمة حفظ النظام العام. وبحسب ما أوردته صحيفة "لو جورنال دو ديمانش"، يرتقب تعبئة نحو ألف جندي من عملية "سانتينال" في منطقة باريس، بينهم 500 سينتشرون في دوريات ميدانية و500 في حالة تأهب، على أن تتركز مهامهم على حماية المواقع الحساسة وليس تفريق المتظاهرين.

وهذا التمييز مهم استراتيجيا، فالسلطات لا تدفع الجيش إلى قلب المواجهة مع المحتجين، بل تحوله إلى "حرس خلفي" للمنشآت الاستراتيجية، بما يسمح بتحويل مزيد من الشرطة والدرك إلى خطوط المواجهة. وتعمل عملية "سانتينال" منذ عام 2015 بعد الهجمات الإرهابية، ويسمح القانون الفرنسي بنشر الجيش لمهام الحماية، أما مشاركته المباشرة في حفظ النظام فتحتاج إلى شروط قانونية خاصة، أبرزها طلبا رسميا من السلطات المدنية المختصة.

وفي موازاة ذلك، فرضت السلطات حظر تجول في مناطق من باريس، شملت محيط قصر الإليزيه والجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ وجادة الشانزليزيه ومحطات القطارات، ضمن إجراءات محلية وليست حظرًا عامًا. كما امتدت القيود إلى مرسيليا، حيث شمل القرار من هم دون 18 عامًا، ويسري من مساء الثلاثاء حتى 24 أكتوبر الجاري. وتستعد حركة "السترات الصفراء" لمظاهرة في باريس تنطلق من ساحة الباستيل باتجاه الأوبرا، ضمن موجة ثانية من الاحتجاجات على غلاء المعيشة وتدهور الخدمات، مع مطالب بينها استقالة الرئيس إيمانويل ماكرون، والتنديد بما تعتبره عنفا مفرطا من الشرطة.

وتكشف الأرقام الرسمية الفرنسية حجم التصعيد، فقد أعلنت وزارة الداخلية توقيف 2397 شخصا وإصابة 997 من عناصر الشرطة والدرك، بينهم سبعة بجروح خطيرة خلال احتجاجات السبت 17 أكتوبر الجاري، كما تأثر نحو ثلاثة آلاف متجر بأعمال النهب في باريس ومرسيليا ومدن أخرى.

وفي هذا السياق، حذر رئيس جمعية "ميديف" باتريك مارتن أصحاب المتاجر من اللجوء إلى تسليح أنفسهم، ما يعكس قلقا من انزلاق الأزمة الى العنف.

إيطاليا  ميلانو ساحة مواجهة... والجيش إلى الشوارع

بالمقابل، تعتزم الحكومة الايطالية إرسال 500 عنصر من الجيش إلى مدينة ميلانو استعدادا لاحتجاجات السبت، في حين نظر مجلس الوزراء في إمكانية منح العسكريين صلاحيات مؤقتة تتيح لهم دعم قوات الأمن. ويأتي هذا التوجه بعد أعمال نهب واشتباكات بين الشرطة ومحتجين في نهاية الأسبوع الماضي، دفعت علامات تجارية فاخرة إلى إغلاق متاجرها في ميلانو.

ووفق المعطيات الواردة، أسفرت المواجهات عن توقيف المئات وإصابة عشرات من عناصر الشرطة، وأعلنت السلطات الإيطالية اعتقال 271 شابا خلال الاضطرابات في ميلانو، نقلا عن وكالة "أنسا" التي أشارت إلى أن 80% من الموقوفين قاصرون.

وبدأت الأحداث بتجمع عشرات الشبان في مجموعات صغيرة قرب ساحة دومو، قبل انتشار محتجين ملثمين في الشوارع المجاورة، وإقامة حواجز ورشق مركبات الشرطة، ما دفع قوات الأمن إلى استخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والهراوات.

وتبدو إيطاليا أمام نسخة مشابهة للمعادلة الفرنسية مع تعزيز الحضور العسكري في المدن لتخفيف العبء عن الشرطة، لكن مع خطر سياسي واضح، وهو أن يتحول الجيش إلى رمز في قلب الاحتجاج الاجتماعي، لا مجرد عنصر حماية لوجستي.

البرتغال وألبانيا  من أزمة السكن إلى أزمة الشرعية

ويظهر المشهد الأوروبي خارج باريس وميلانو أكثر اتساعا، ففي البرتغال تتواصل الاحتجاجات في لشبونة وبورتو، حيث رفض مئات المحتجين تفكيك خيام نصبوها منذ السبت الماضي احتجاجا على ارتفاع تكاليف السكن رغم تحذيرات السلطات من أن احتلال الأماكن العامة يخالف القواعد وقد يعرّضهم للملاحقة القانونية. وتتزامن هذه التحركات مع دخول احتجاجات أزمة السكن في إسبانيا أسبوعها الرابع، وسط تطورات سياسية أفضت إلى الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة في 29 نوفمبر.

وتسود وفي ألبانيا حالة ترقب بعد احتجاجات في تيرانا شارك فيها آلاف الأشخاص رفضا لظروف الدراسة في الجامعات وارتفاع رسوم التسجيل والفساد. واستخدمت الشرطة الألبانية الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق مئات المتظاهرين في اليوم السادس من احتجاجات تطالب بتنحي رئيس الوزراء. وهنا يظهر بعد آخر الاحتجاج لم يعد مرتبط فقط بالغلاء، بل بات يشمل السكن والتعليم والفساد وشرعية الطبقة السياسية.

ولا يعدّ المشترك بين النماذج الأوروبية مجرد "غضب اجتماعي"، بل تحول هذا الغضب إلى اختبار للعقد الاجتماعي والسياسي. فالحكومات ترد بمنطق "الأمننة"  مع نشر الجيش، حظر التجول، تقييد التجمعات، اعتقالات واسعة، ويحقق هذا الرد مكسبًا تكتيكيًا في السبت المقبل، لكنه يحمل مخاطر توسيع فجوة الثقة بين الدولة والمحتجين ودفع حركات الاحتجاج إلى رفع سقف مطالبها من الاقتصاد إلى الشرعية السياسية، كما يظهر في مطلب استقالة ماكرون أو تنحي رئيس الوزراء في ألبانيا.