الوطن

استشراف ما وراء العاصفة..

حسن الجوار، أمن الساحل والغاز.

  • 2444
  • 4:32 دقيقة
صورة: سماء نيامي تستقبل "السوخوي" الجزائرية (وزارة الدفاع الوطني)
صورة: سماء نيامي تستقبل "السوخوي" الجزائرية (وزارة الدفاع الوطني)

القضية ليست أربع طائرات "سوخوي سو-30" حطت في مطار نيامي، ولا طائرة تزود بالوقود رافقتها، ولا استجابة جزائرية عاجلة لطلب حكومة النيجر بعد محاولة التمرد الأخيرة.

من يريد أن يقرأ "المشهد" بهذه الطريقة فقط، فإنه يرى، في نهاية الأمر، طائرات عسكرية، ولا يرى الخريطة. والسياسة، خصوصا في منطقة الساحل، لا تُقرأ بالطائرات وحدها.

اقرؤوا خط الغاز. اقرؤوا النيجر. اقرؤوا نيجيريا. اقرؤوا الجزائر. ثم انظروا إلى الأطلسي المغربي، وإلى أوروبا، وإلى واشنطن، وإلى موسكو… وستفهمون لماذا لم تعد الجزائر تتفرج على ما يحدث جنوب حدودها.

أما من يطرح السؤال الساذج "لماذا تتحرك الجزائر عسكريا خارج حدودها؟"، فعليه صياغة السؤال على النحو التالي: لماذا لم تكن الجزائر ستتحرك، وهي ترى عمقها الإستراتيجي الجنوبي مهددا، ومشروعا قاريا للغاز ينتقل أخيرا من مرحلة الوعود إلى مرحلة البناء؟، ويرافقه بسؤال آخر: من قال إن الجزائر عدلت دستورها عام 2020 عبثا؟

هناك من يصرّ اليوم على تقديم التحرك الجزائري في النيجر باعتباره "انقلابا" على عقيدة الجيش الوطني الشعبي، وهؤلاء إما أنهم لا يقرأون الدستور، أو يقرأونه ثم يتجاهلون ما لا يخدم روايتهم، فدستور 2020 لم يُلغِ عقيدة الدفاع عن السيادة وعدم التورط في مغامرات عسكرية خارجية، لكنه فعل شيئا بالغ الأهمية: فقد فتح للدولة الجزائرية بابا دستوريا للتحرك خارج الإقليم عندما تقتضي الضرورة ذلك، وفق شروط مؤسساتية محددة، وهذا يعني أن الدولة الجزائرية لم تعد تتعامل مع مفهوم الأمن القومي باعتباره خطا مرسوما على الخريطة، لأن الخطر لا يحتاج إلى جواز سفر كي يعبر الحدود، والإرهاب لا يعترف بالحدود، والفوضى لا تعترف بالحدود، وأمن الطاقة والممرات الإستراتيجية لا يعترفان، أيضا، بالحدود.

إذن، ما الذي فعله دستور 2020؟

الذين يتساءلون اليوم بدهشة: "كيف أرسل الجيش الجزائري طائرات إلى النيجر؟"، كان عليهم أن يقرأوا دستور بلدهم قبل أن يقرأوا منشورات الحسابات المعادية له، فالجزائر لم تستيقظ صباح 30 أوت لتكتشف النيجر، والجزائر لم تبدأ الاهتمام بالنيجر يوم وصلت الطائرات إلى نيامي.

ففي أوت 2026، وقبل محاولة التمرد الأخيرة، كانت الجزائر قد دعمت الجيش النيجري بمروحيات عسكرية من طرازات مختلفة، إلى جانب الذخيرة وقطع الغيار ومعدات الدعم، ثم جاءت محاولة التمرد، ثم جاء الطلب النيجري، ثم جاءت أربع مقاتلات «سو-30» جزائرية إلى نيامي برفقة طائرة للتزود بالوقود جوا.

هل كانت الجزائر تعرف مسبقا أن محاولة انقلاب ستقع؟ الدول الجادة تبني الإستراتيجيات لأنها تعرف المخاطر المحتملة، والجزائر لم تنتظر حتى يشتعل البيت لتبحث عن خرطوم المياه وتطفئ النار، فالجزائر كانت وستبقى حريصة على مبدأ حسن الجوار، وعلاقتها بالنيجر ليست علاقة حدود فقط، وإنما علاقات عميقة وتاريخية، تجعل أمن واستقرار هذا البلد الشقيق مسألة تتجاوز الحسابات الظرفية والمصالح المباشرة.

لماذا النيجر؟

والجواب يكون لأن تحت رمالها طريقا إلى أوروبا، وهنا تبدأ القصة الحقيقية. هناك مشروع اسمه: خط الغاز العابر للصحراء، نيجيريا- النيجر- الجزائر- أوروبا.

مشروع طاقوي "عملاق"، يصل طوله إلى أكثر من أربعة آلاف كيلومتر، وتصل قدرته المستهدفة إلى نحو 30 مليار متر مكعب سنوياً وفق المعطيات المتداولة للمشروع. لكن الأهم من الأرقام أن هذا الخط يرسم ممر طاقة إفريقيا جديدا نحو أوروبا.

في 4 جوان الماضي، لم يعد المشروع مجرد حبر على ورق، حيث أعلنت سوناطراك رسمياً إطلاق أشغال إنجاز الشطر الجزائري من خط الغاز العابر للصحراء في أدرار، وهنا تحديداً يجب أن نفهم لماذا أصبحت النيجر بالنسبة للجزائر أكثر من مجرد جار جنوبي، لأن النيجر تقع في قلب الممر، وأي زعزعة إستراتيجية طويلة الأمد للنيجر تعني، بالضرورة، رفع مستوى المخاطر على مشروع يربط نيجيريا بالجزائر.

إنه ممر جيوسياسي كامل، ولهذا فإن أمن النيجر يصبح جزءا من أمن المشروع ككل، وأمن المشروع يصبح جزءا من الأمن الاقتصادي الجزائري ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول العلاقة العسكرية بين الجزائر والنيجر إلى "قضية إستراتيجية".

لكن اختزال التحرك الجزائري في موضوع الغاز وحده سيكون قراءة ناقصة للمشهد، فالجزائر لا تتحرك فقط لتأمين مشروع الغاز، بل تتحرك أيضا من منطلق علاقاتها التاريخية مع جيرانها، وحرصها على استقرار محيطها وأمنه، وعلى مبدأ حسن الجوار والتضامن مع الدول الشقيقة عندما تواجه ظروفا صعبة. ولهذا كانت الجزائر مضطرة إلى أن تقول: "النيجر ليست وحدها"، وعندما ترسل مقاتلاتها إلى نيامي بطلب من السلطات النيجرية، فهي لا تقول فقط: "نحن أشقاء وأصدقاء"، بل تقول أيضا: "الأمن في جنوبنا ليس شأنا بعيدا عنا". وتؤكد أننا "لن نسمح بتحويل الساحل إلى فراغ أمني مفتوح"، وتقول "مشاريعنا الإستراتيجية لن تكون رهينة للفوضى"، وهذه رسالة سياسية قوية وليست عسكرية.

الجزائر فهمت الدرس قبل الآخرين

تعديل 2020 لم يكن نبوءة، لكنه كان استشرافا. لم تكن الجزائر تعرف أن النيجر ستشهد هذه الأزمة بالذات في هذه السنة، لكنها كانت تعرف أن الساحل يتجه نحو منطقة اضطراب إستراتيجي، ولذلك بنت لنفسها إطارا يسمح لها بالتحرك، ثم بنت علاقاتها، ثم دعمت الجيش النيجري، ثم دخل مشروع الغاز مرحلة التنفيذ، وعندما جاءت الأزمة، لم تكن الجزائر مضطرة إلى اختراع سياسة جديدة في ليلة واحدة، وكانت الأدوات موجودة، وهذا بالضبط ما تفعله الدول التي تخطط.

وهذا لا يعني أن الجزائر تقيس علاقاتها مع دول الجوار فقط بمدى ارتباطها بمشاريعها الإستراتيجية. فحتى لو طلبت مالي، مثلا، مساعدات معينة في ظرف خاص، فإن الجزائر لن تتأخر عن ذلك، رغم أن مشروع الغاز الإستراتيجي لا يمر عبر تراب الشقيقة مالي. فالصديق وقت الضيق، وحسن الجوار لا يكون مشروطا بمرور أنبوب غاز أو مشروع اقتصادي عبر أراضي الدولة الشقيقة.

عندما ترى الجزائر أن أحد مفاصل عمقها الجنوبي يهتز، فالأكيد أن الجزائر لا تستطيع أن تتصرف كأن الأمر يجري في قارة أخرى، وعندما يكون هذا المفصل نفسه جزءا من ممر طاقوي إستراتيجي، فإن الحساب يصبح أكثر تعقيداً.

من يريد أن يفهم الرسالة التي حملتها "السوخوي" الجزائرية إلى نيامي، فهي ببساطة أن الجزائر لا تبحث عن معركة… لكنها لن تسمح لأحد بأن يرسم مستقبل محيطها الإستراتيجي من دون أن يكون لها مقعد على الطاولة.

والأهم: من يريد أن ينافس الجزائر على بوابة الغاز الإفريقي إلى أوروبا، فليعرف أن البوابة الجزائرية لا تُفتح بالتصريحات… بل تُحرس أيضا بالقدرة على حماية الطريق إليها.