ثقافة

فيلم "ظلّ الرّمل".. الصحراء الصامتة تنطق بوحدة الجزائر

من إنتاج التلفزيون الجزائري.

  • 133
  • 2:51 دقيقة
فريق الفيلم، الصورة: ح.م.
فريق الفيلم، الصورة: ح.م.

"ظلّ الرّمل".. حكاية صحراء لم تصمت، وشعب لم يقبل أن يُقسَّم، ووطن انتصر في النهاية بإصرار أبنائه على أن تظل الجزائر واحدة، من الشمال إلى الجنوب. لم تكن صحراؤنا الكبرى، في لحظة من تاريخ ثورة التحرير المجيدة، امتدادا جغرافيا شاسعا، أو أرضا في باطنها ثروات سال لعاب الاستعمار الفرنسي للاستحواذ عليها، بل جزء من معركة نبيلة عنوانها "الجزائر الواحدة".

من هذه الصفحة الحسّاسة في تاريخ الجزائر، يستمد الفيلم التلفزيوني "ظلّ الرّمل" مادته التاريخية والإنسانية، في عمل من إخراج وليد بوشباح، وسيناريو وحوار نور الدين أوغليسي، وإنتاج مديرية إنتاج البرامج بالتلفزيون الجزائري، احتضنت قاعة سينما "ابن زيدون" بديوان رياض الفتح بالجزائر العاصمة عرضه الشرفي مساء أول أمس، وسط حضور نوعي غفير.

يستحضر عنوان الفيلم، في ظاهره، سكون الرمال وامتدادها، لكنه يقود في عمقه إلى حكاية أرض طاهرة لم تكن صامتة أمام محاولات تقسيمها، وعن رجال ونساء أدركوا أن الدفاع عن الجزائر لا يتجزأ، وأن الصحراء ليست ملفا تفاوضيا ولا مساحة قابلة للاقتطاع، بل وطن تسري فيه روح الانتماء من شماله إلى جنوبه.

الشيخ بيوض.. حين يصبح الموقف بحجم الوطن

في قلب هذه الحكاية، يبرز موقف الشيخ بيوض، أحد الوجوه البارزة في منطقة ميزاب، في مواجهة محاولات الاستعمار الفرنسي استمالة أهل المنطقة إلى مشروعه الرامي إلى فصل الجنوب عن الشمال، مستغلا ما اكتشفه من ثروات باطنية وما تمثله الصحراء من أهمية استراتيجية واقتصادية.

ويبرز موقف الشيخ بيوض عن وعي وطني يتجاوز الحسابات الضيقة، ويضع وحدة التراب الجزائري فوق كل اعتبار، فالاستعمار الذي أدرك قيمة الثروة الكامنة في أعماق الصحراء، حاول أن يجعل منها مدخلا لإعادة رسم حدود البلاد وفق مصالحه، غير أن إرادة الجزائريين كانت تسير في الاتجاه الآخر، قوامه أن الأرض لا تُجزّأ، والانتماء الوطني لا يخضع للمساومة.

زهرة وخليفة.. حين تكتب التضحية فصول الحكاية

التاريخ لا تصنعه المواقف الكبرى وحدها، بل قد يكون أفراد يعملون في الظل، بعيدا عن الأضواء، قبل أن تتحول تضحياتهم إلى جزء من الذاكرة الوطنية. ومن بين هذه الوجوه، تحضر زهرة وخليفة، اللذان يروي الفيلم قصة استشهادهما على يد أحد الخونة وعملاء الاستعمار الفرنسي، بعدما سخرا جهودهما لخدمة الثورة، كل في مجال عمله.

وتمنح هذه الحكاية الإنسانية بعداً يضع المشاهد أمام الكلفة البشرية التي تحملها الجزائريون في سبيل تحرير الوطن. ومن هنا، تكتسب قصة زهرة وخليفة دلالتها، فهما يمثلان، في نسيج سيناريو الفيلم، وجها من وجوه المقاومة التي لا تقاس أهميتها دائما بحجم السلاح أو بموقع المواجهة، بل بما تتطلبه من شجاعة وإخلاص واستعداد للتضحية.

ورقلة، فيفري 1962.. الصحراء الصامتة ترفع صوتها

تبلغ الحكاية إحدى محطاتها التاريخية الأكثر دلالة مع استحضار مظاهرات ورقلة في 27 فيفري 1962، حين خرج الجزائريون للتعبير عن رفضهم محاولات فصل الصحراء عن بقية التراب الوطني، في مشهد جسد تمسك السكان بوحدة البلاد، بالتزامن مع استقبال وفد الأمم المتحدة، فكانت المظاهرات الشعبية تعبيرا سياسيا عن إرادة جماعية واضحة: الصحراء جزائرية، لا يمكن فصل مستقبلها عن مستقبل الوطن كله. وفي مرحلة كانت فيها مسألة الصحراء وثرواتها حاضرة بقوة في الحسابات الاستعمارية، جاء صوت الشارع ليؤكد أن تقرير مصير البلاد لا يمكن أن يُختزل في المصالح الاقتصادية أو في الخرائط التي يراد فرضها من الخارج.

وتزداد أهمية هذه المحطة بالنظر إلى توقيتها، فقد جاءت الجزائر آنذاك على مشارف الاستقلال، بينما كانت المفاوضات مع فرنسا تتجه نحو اتفاقيات إيفيان الموقعة في مارس 1962، والتي مهّدت لوقف إطلاق النار في اليوم التالي، ثم لاستكمال مسار الاستقلال.

من ذاكرة الثورة إلى الشاشة.. استعادة ما لا ينبغي أن يُنسى

تنبع أهمية "ظلّ الرّمل" من اختياره مرحلة تاريخية تكشف جانبا من تعقيدات الثورة التحريرية، وتسلط الضوء على معركة لم تكن حدودها مقتصرة على المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى الصراع السياسي والدبلوماسي والشعبي حول مستقبل الجزائر بعد الاستقلال.