الوطن

بارو على خطى روتايو

الدبلوماسية الفرنسية تحولت إلى أداة ابتزاز سياسي ضد الجزائر.

  • 2035
  • 3:06 دقيقة
جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، الصورة: وأف.
جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، الصورة: وأف.

يبدو أن وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، قرر أن يسير، خطوة بخطوة، على النهج نفسه الذي انتهجه وزير الداخلية السابق برونو روتايو، في تحويل الجزائر إلى مادة يومية للاستهلاك السياسي الداخلي الفرنسي، ضمن سباق محموم لكسب ود اليمين المتطرف ولوبيات "الجمهوريين" الباحثين عن أي مظلة انتخابية تغطي أزمة الحكم المتفاقمة في باريس.
منذ اندلاع الأزمة الجزائرية - الفرنسية عقب الموقف الفرنسي المنحاز للمغرب في قضية الصحراء الغربية، لم تتوقف بعض الدوائر الفرنسية عن محاولة تحميل الجزائر مسؤولية التوتر، رغم أن الجميع يدرك أن أصل الأزمة كان قرارا فرنسيا متسرعا وخارجا عن تقاليد التوازن التي حكمت الدبلوماسية الفرنسية لعقود. لكن عوض أن يعمل وزير الخارجية الفرنسي بارو على ترميم ما أفسدته الحسابات الضيقة، اختار أن "يتحول" إلى نسخة مكررة من روتايو، مستعينا بالاستفزاز الإعلامي والرسائل العدائية المبطنة تجاه الجزائر.
ولم تكن زيارة بارو الأخيرة إلى الرباط مجرد محطة دبلوماسية عادية، وإنما جاءت محملة برسائل سياسية واضحة ضد الجزائر. فالرجل تعمد، بشكل استعراضي، إعادة التأكيد على ما يسمى بـ"مغربية الصحراء"، مكررا الموقف الذي تسبب أصلا في نسف الثقة بين الجزائر وباريس.
ولم يكتف هذا الوزير الهاوي بذلك، بل ذهب بعيدا عندما حاول تقديم المغرب كشريك استراتيجي أوحد لفرنسا في إفريقيا، متجاهلا عمدا الثقل الحقيقي للجزائر ودورها المحوري في استقرار الساحل والمتوسط وإفريقيا.
المفارقة أن هذه التصريحات جاءت مباشرة بعد زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر، وهي زيارة تركت انطباعا بوجود إرادة فرنسية لإعادة بعث التهدئة واستئناف الحوار بين قصر المرادية وقصر الإليزيه. غير أن بارو، بتصريحاته وتحركاته، ظهر وكأنه يسابق الزمن لإفشال أي تقارب محتمل، ما يكشف حجم التناقض داخل مؤسسات الحكم الفرنسية نفسها.
وبين خطاب التهدئة الذي يحمله بعض الوزراء الفرنسيين، وخطاب الاستفزاز الذي يتبناه وزير الخارجية بارو، يظهر بجلاء أن باريس لا تملك حتى الآن رؤية متماسكة تجاه الجزائر.
ولعل أخطر ما في سلوك بارو، أنه يعكس حالة ارتباك عميقة داخل النخبة الفرنسية، حيث أصبحت السياسة الخارجية رهينة حسابات انتخابية مبكرة مرتبطة بالرئاسيات المقبلة، وهو ما يؤشر بشكل واضح على عجز الرئيس إيمانويل ماكرون عن إصلاح ما أفسده.
فكل وزير بات يحاول تقديم أوراق اعتماده لليمين المحافظ والمتطرف من خلال مهاجمة الجزائر أو مغازلة المخزن المغربي، حتى وإن كان ذلك على حساب المصالح الاستراتيجية لفرنسا نفسها في المنطقة.
وفي هذا الاتجاه، يمكن قراءة تصريحات بارو المتكررة عن "الشراكة الاستثنائية" مع المغرب، والترويج لمعاهدة صداقة استراتيجية، على أنها محاولات فرنسية لوضع الجزائر والمغرب في كفة واحدة، متجاهلين الفارق الكبير في الوزن الجيوسياسي والتأثير الإقليمي.
ولم يصر على تجاهل موقع ومكانة وتأثير الجزائر في ميزان العلاقات الدولية اليوم، فإننا لن نعيد اكتشاف الفحم عندما نقتبس من تقارير دولية موثوقة وتصريحات كبار قادة العالم من أن الجزائر ليست مجرد دولة فاعلة في المغرب العربي، بل أصبحت فاعل توازن أساسيا في المعادلة الإفريقية والمتوسطية والعربية، فضلا عن أنها شريك محوري في ملفات الطاقة والهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب.
وفي المقابل، يدرك المخزن المريض جيدا أن أي تقارب جزائري - فرنسي حقيقي سيضعف أوراقه التقليدية داخل فرنسا، لذلك فهو يحاول بكل ما بقي له من "صحة" نسف أي بوادر تهدئة بين البلدين.. وهو ما يفسر هذا الاندفاع الفرنسي المحموم نحو الرباط، رغم أن العديد من العواصم الأوروبية بدأت تعيد حساباتها، وتفضل بناء علاقات متوازنة مع الجزائر بدل الانخراط في سياسات الاستفزاز العقيمة.
ويرى متابعون لما يحدث في المنطقة، أنه كان الأجدر بوزير الخارجية الفرنسي أن يلعب دور رجل الإطفاء لإخماد الأزمة، لكنه تحول إلى ذلك المستميت في صب الزيت على النار لتأجيجها.. وهو، أي جان نويل بارو، يكون قد اختار أن يكون نسخة ثانية من روتايو ولتجربته الفاشلة، تجربة قائمة على الشعبوية واستعداء الجزائر، غير مدرك أن الجزائر ليست ورقة انتخابية داخلية، ولا دولة يمكن ابتزازها بالتصريحات الاستعراضية أو المناورات الإعلامية.
خلاصة الكلام، إن استمرار المسؤولين الفرنسيين في هذا النهج المتذبذب لن يؤدي إلا إلى إعادة العلاقات الجزائرية - الفرنسية إلى نقطة الصفر، خاصة إذا استمرت باريس في تجاهل حقيقة أساسية مفادها أن الجزائر تتعامل بندية كاملة، وترفض أي مقاربة تقوم على الإملاءات أو الحسابات الضيقة أو خدمة أجندات المخزن وحليفه اليمين المتطرف الفرنسي.
جلال بوعاتي