اقتصاد

برج بوعريريج.. كيف ولدت "عاصمة الإلكترونيات"؟

من "صنع في الجزائر" إلى "صنع القيمة في الجزائر".

  • 773
  • 10:17 دقيقة
ح.م
ح.م

إذا كان هناك مكان ارتبط في الوعي الصناعي الجزائري بصناعة الإلكترونيات، فهو برج بوعريريج، فقد تحولت المنطقة الصناعية للولاية خلال السنوات الماضية إلى تجمع لعدد من المؤسسات المتخصصة في الأجهزة الإلكترونية والكهرومنزلية، في مقدمتها "كوندور" و"جيون إلكترونيكس" و"كريستور"، و"أركوديم ميديا"، إضافة إلى عدد من المؤسسات الأصغر والمتوسطة الناشطة في الصناعات الكهربائية والإلكترونية.

وتشكل "كوندور" أبرز قصة صناعية في الولاية رقم 34. فقد انطلق نشاطها في مجال الإلكترونيات ثم توسع تدريجيا نحو الأجهزة الكهرومنزلية، وأصبحت المجموعة تنتج أجهزة التلفزيون والثلاجات والغسالات والمكيفات وأجهزة الطبخ وغيرها، كما دخلت في شراكات مع علامات دولية.

في جويلية 2025، أشرف وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات كمال رزيڤ من برج بوعريريج على إطلاق عملية تصدير شملت 45 شاحنة من منتجات "كوندور" الإلكترونية والكهرومنزلية إلى مصر وتونس والأردن وليبيا وموريتانيا، كما انطلقت في المناسبة نفسها صادرات منتجات إلكترونية من "جيون إلكترونيكس" نحو تونس على متن 20 شاحنة. واعتبر الوزير أن هذه العمليات تعزز مكانة برج بوعريريج كعاصمة لصناعة الإلكترونيات والكهرومنزلية. والأهمية هنا ليست في عدد الشاحنات، بل في طبيعة المنتجات: أجهزة إلكترونية وكهرومنزلية بلافتة "صنع في الجزائر"، تغادر منطقة صناعية داخلية باتجاه أسواق عربية وإفريقية.

"جيون إلكترونيكس".. مؤسسة أخرى في قلب القطب البرايجي

إلى جانب "كوندور"، برزت "جيون إلكترونيكس" كأحد الأسماء المرتبطة بولاية برج بوعريريج. تأسست المؤسسة سنة 2005، وتعمل في مجال الإلكترونيات والأجهزة الكهرومنزلية وتوظف أكثر من 2500 شخص، كما تقول إنها موجودة في 10 دول إفريقية، فيما تستهدف إدارة "جيون" التوسع نحو أوروبا، ويقع مقرها ومنشآتها في منطقة النشاط ببرج بوعريريج.

وفي عملية التصدير التي أطلقت من برج بوعريريج في جويلية 2025، أرسلت "جيون إلكترونيكس" منتجات إلكترونية إلى تونس على متن 20 شاحنة، وهو ما يضعها ضمن المؤسسات التي بدأت تتحول من خدمة السوق المحلية إلى البحث عن أسواق خارجية.

أما "كريستور"، فهي بدورها مؤسسة متخصصة في تصنيع وتسويق وخدمة ما بعد البيع للمنتجات الإلكترونية والكهرومنزلية، وتتركز في برج بوعريريج وتشمل مجالات نشاطها الأجهزة الكهرومنزلية والتبريد والتكييف. كما توجد في الولاية رقم 34 مؤسسات أخرى، من بينها "أكروديم ميديا" و"ماكستور"، المتخصصة في تصنيع وتوزيع الأجهزة الكهرومنزلية، التي يوجد مقرها الصناعي في المنطقة الصناعية لبرج بوعريريج.

وهكذا لم تعد قصة برج بوعريريج مرتبطة بمؤسسة واحدة، وإنما أصبحت أقرب إلى تجمع صناعي تتجاور فيه العلامات والمصانع والخدمات اللوجستية والمناولة والعمالة المتخصصة.

من برج بوعريريج إلى سطيف.. محور صناعي شرقي

غير أن وصف برج بوعريريج بأنها "عاصمة الإلكترونيات" لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى، هي أن المنطقة الشرقية أصبحت ككل أحد أهم أقطاب الصناعة الكهرومنزلية والإلكترونية في الجزائر. وتبرز ولاية سطيف بقوة في هذه الخريطة، خصوصا مع وجود مصانع "إيريس" و"وبراندت" وغيرها.

فشركة "إيريس"، التي تأسست سنة 2004، تقدم نفسها باعتبارها مؤسسة جزائرية متخصصة في صناعة الإلكترونيات والأجهزة الكهرومنزلية، وتقول إن نشاطها تطور من الإلكترونيات والأجهزة المنزلية والهواتف إلى قطب صناعي متكامل، كما تعتبر من أبرز المنتجين في قطاع أجهزة التلفزيون، ويقع نشاطها الصناعي في المنطقة الصناعية بسطيف.

أما "براندت الجزائر"، فتملك مجمعا صناعيا في سطيف مخصصا لصناعة الأجهزة الكهرومنزلية. وتوضح المجموعة أن لديها "حديقة صناعية" في الجزائر بسطيف، إلى جانب مواقعها خارج الوطن.

وفي جانفي 2024، دشنت الشركة وحدة جديدة لصناعة غسالات الصحون تابعة لـ"Samha Home Appliance"  في منطقة النشاط والتجارة بحلمات ببلدية قجال، جنوب شرق سطيف. وتبلغ مساحة الوحدة 25 ألف متر مربع، باستثمار قدره 3.6 مليار دينار وبطاقة إنتاجية تصل إلى 500  ألف غسالة صحون سنويا، فيما بلغ معدل الإدماج الذي أشار إليه الوزير في ذلك الوقت70  بالمائة. وهكذا تشكل سطيف وبرج بوعريريج وأيضا عنابة، من خلال شركة "رايلان"، على مستوى شرق الوطن، مجالا صناعيا متقاربا يضم مجموعة من أكبر الأسماء في الإلكترونيات والكهرومنزلية.

سيدي بلعباس.. المدرسة العمومية للإلكترونيات

في غرب البلاد، تبرز الشركة الوطنية للصناعات الإلكترونية "أومي" بسيدي بلعباس، وهي واحدة من أقدم المؤسسات العمومية الجزائرية في هذا المجال.

تعود جذور المؤسسة إلى سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تصبح مؤسسة وطنية للصناعات الإلكترونية سنة 1982. واليوم تطور "أوني" منتجات تشمل التلفزيونات واللوحات الإلكترونية والهواتف والأجهزة الرقمية والحلول الشمسية، إلى جانب نشاطات مرتبطة بالمكونات الإلكترونية.

وتشير بيانات مجمع "إيليك الجزائر" إلى أن "أوني" تشغل أكثر من 1329 عاملا وإطارا وتطمح إلى أن تصبح المنتج الأول للأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية في الجزائر.

وفي نوفمبر 2025، أطلقت المؤسسة تسويق أجهزة تلفزيون جديدة بقياسات 32 و43 بوصة، ضمن استراتيجية لتجديد منتجاتها وتوسيع شبكة التوزيع الوطنية.

ويمثل استمرار "أوني" في الإنتاج والتطوير بعد عقود من النشاط دليلا على أن الصناعة الإلكترونية الجزائرية لا تقوم فقط على المؤسسات الخاصة الجديدة، وإنما لها أيضا قاعدة صناعية عمومية تاريخية يمكن إعادة تأهيلها وإدماجها في استراتيجية صناعية حديثة.

تيزي وزو.. إرث "أونيام" في الأجهزة الكهرومنزلية

في منطقة الوسط، تبرز المؤسسة الوطنية للصناعات الكهرومنزلية "أونيام"، التي يوجد مقرها ووحدات إنتاجها الرئيسية في منطقة واد عيسي بولاية تيزي وزو.

تقول المؤسسة في موقعها الرسمي إنها تعد من أبرز المصنعين الجزائريين للأجهزة الكهرومنزلية منذ أكثر من 40 سنة، وتشمل منتجاتها حاليا المواقد والسخانات والمكيفات وغيرها، كما تعمل على تطوير مشاريع جديدة لرفع الإدماج المحلي، منها مشروع إدماج صناعة الغسالات الذي كان موضوع طلب عروض خلال 2025-2026.

وتكمن أهمية "أونيام" في أنها تمثل أحد الأصول الصناعية التاريخية للجزائر في مجال الأجهزة المنزلية، لكنها تواجه مثل غيرها تحدي تحديث خطوط الإنتاج، رفع الإنتاجية، إدماج مكونات محلية وتطوير منتجات قادرة على المنافسة في سوق أصبحت فيه العلامات الخاصة أكثر قوة.

البليدة والجزائر العاصمة.. الإلكترونيات تتجه نحو الصناعة عالية التقنية

أما في منطقة الوسط، فتبرز "بومار كونباني"، المعروفة تجاريا بعلامة "ستريم"، بوصفها إحدى أهم قصص التصدير في الصناعة الإلكترونية الجزائرية. وتملك الشركة موقعا إنتاجيا في بئر توتة بالجزائر، كما أعلنت عن مصنع جديد في البليدة مصمم وفقا لمعايير الصناعة 4.0.

تقول الشركة إن مصنعها في البليدة يمتد على مساحة 50 ألف متر مربع، بطاقة إنتاجية تصل إلى 3 ملايين جهاز تلفزيون سنويا، مع توفير 1800 منصب عمل مباشر. كما حددت هدفا طموحا يتمثل في تحقيق 300 مليون دولار من عائدات التصدير مع معدل إدماج محلي يتجاوز 50 بالمائة.

واللافت في تجربة "بومار" أنها لم تنتظر تشبع السوق المحلية حتى تبحث عن الخارج، بل جعلت التصدير جزءا من استراتيجية المؤسسة منذ وقت مبكر. تقول الشركة إنها بدأت تصدير منتجاتها إلى أوروبا تحت علامة "ستريم" منذ 2007، وهي تصدر حاليا إلى مجموعة من الدول الأوروبية والإفريقية. وتشير بيانات المؤسسة إلى وجود منتجاتها في أسواق مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا والسويد وبولندا والدنمارك، إضافة إلى جنوب إفريقيا والغابون.

هذه التجربة مهمة لأنها تظهر أن "صنع في الجزائر" لا يقتصر بالضرورة على الأسواق الإفريقية أو العربية وإنما يمكن لمنتجات إلكترونية جزائرية أن تصل إلى السوق الأوروبية عندما تتوفر الجودة والمطابقة والشروط اللوجستية والتجارية.

خريطة الصناعة الإلكترونية والكهرومنزلية في الجزائر

يمكن، استنادا إلى المؤسسات التي يمكن توثيق مواقع إنتاجها، رسم صورة تقريبية للخريطة الوطنية لهذه الصناعة.

في برج بوعريريج تتركز مجموعة من أبرز المؤسسات، في مقدمتها "كوندور" و"جيون إلكترونيكس" و"كريستور" و"أركوديم ميديا" و"ماكستور"، فضلا عن شبكة من المؤسسات والمناولين المرتبطين بالصناعات الكهربائية والإلكترونية. وتظل الولاية مركزا أساسيا للتصنيع والتجميع والتصدير.

وفي سطيف نجد "إيريس" ومجمع "براندت/ سامحا هاوم"، إلى جانب نشاط صناعي كهرومنزلي وإلكتروني متنام، ما جعل المنطقة الشرقية الممتدة بين سطيف وبرج بوعريريج واحدة من أهم قواعد الصناعة الوطنية. وفي البليدة وبئر توتة يتمركز نشاط "بومار/ ستريم"، وهو من أكثر النماذج ارتباطا بالتصدير نحو أوروبا.

وفي سيدي بلعباس تتمركز "أوني"، المؤسسة العمومية التاريخية للصناعات الإلكترونية، التي تنتج الأجهزة السمعية والبصرية والإلكترونيات والحلول الشمسية وغيرها.

وفي تيزي وزو توجد "أونيام"، أحد أقدم أقطاب صناعة الأجهزة الكهرومنزلية، خصوصا التبريد والطبخ والتكييف.

أما الجزائر العاصمة ومحيطها فتضم بدورها مجموعة من مؤسسات صناعة الأجهزة الإلكترونية والكهرومنزلية والمكونات والخدمات، من بينها "ساكومي"، التي تقول إنها تصنع الأجهزة الإلكترونية والكهرومنزلية منذ 1994 عبر 3 وحدات إنتاج وتشغل قرابة 300 عامل. ولا تمثل هذه الخريطة قائمة شاملة لكل المؤسسات المسجلة في الجزائر، وإنما تبرز أهم الأقطاب والمؤسسات التي تتوفر بشأنها معطيات صناعية منشورة يمكن توثيقها.

التصدير.. الاختبار الحقيقي للصناعة الجزائرية

إذا كان الوصول إلى تغطية 83 بالمائة من الطلب المحلي يمثل مرحلة مهمة، فإن المرحلة الأصعب هي الخروج إلى السوق الخارجية. فالأسواق الدولية لا تكافئ المنتج لمجرد أنه "جزائري"، وإنما تضع أمامه شروط الجودة والسعر والمطابقة والضمان وخدمات ما بعد البيع، إضافة إلى النقل والتمويل والتوزيع. لهذا بدأت المؤسسات الجزائرية في بناء شبكات تصدير تدريجية.

وتعد "كوندور" المثال الأبرز. ففي مارس 2025، غادرت من ميناء بجاية 31 حاوية تضم 7000 جهاز كهرومنزلي نحو تونس والأردن واليمن، بقيمة بلغت 1.5 مليون دولار. وفي المناسبة نفسها، كشف نائب المدير العام للمجموعة، محمد الصالح دعاس، أن قيمة صادرات "كوندور" خلال سنة 2024 بلغت 15.2 مليون دولار، مع هدف الوصول إلى 50  مليون دولار خلال 2025.

وفي جويلية من السنة نفسها، أعلنت المجموعة عن عملية أكبر بكثير من حيث عدد الوحدات، تمثلت في تصدير 60 ألف تلفزيون و50 ألف غسالة إلى مصر، في إطار حملة تصدير شملت أيضا الأردن وتونس وليبيا وموريتانيا. وكانت هذه الأجهزة مصنعة في الجزائر، بما فيها منتجات "هايسنس" التي يتم تصنيعها في مصانع "كوندور" ببرج بوعريريج.

وفي عملية أخرى أشرفت عليها وزارة التجارة الخارجية في برج بوعريريج، وجهت شحنات من منتجات "كوندور" إلى مصر وتونس والأردن وليبيا وموريتانيا، بينما صدرت "جيون إلكترونيكس" منتجات إلكترونية إلى تونس.

وفي سبتمبر 2025، توسعت شبكة الاتفاقات التصديرية لـ"كوندور" لتشمل 6 أسواق إفريقية هي تونس وليبيا ومصر وموريتانيا وكوت ديفوار والسنغال، بقيمة معلنة تناهز 80 مليون دولار، وفقا للمعطيات المنشورة حول اتفاقات IATF 2025.

ثم جاء تطور جديد في جوان 2026، عندما وقعت "كوندور" اتفاقا مع شركاء في رواندا وتنزانيا لتصدير منتجات إلكترونية وكهرومنزلية مصنعة في الجزائر، في إطار توجه رسمي لتوسيع الحضور الجزائري في القارة والاستفادة من فرص منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وهكذا تتسع الخريطة الخارجية تدريجيا من المغرب العربي والفضاء العربي إلى إفريقيا جنوب الصحراء.

إفريقيا.. السوق الأقرب للمنتج الجزائري

تكتسب إفريقيا أهمية خاصة بالنسبة للصناعة الجزائرية بسبب القرب الجغرافي وتشابه جزء من أنماط الاستهلاك وتكاليف النقل مقارنة بالأسواق البعيدة، فضلا عن فرص منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

ورغم أن هذه النسب تعود إلى معطيات سابقة ولا ينبغي إسقاطها آليا على وضع 2026، فإنها توضح مسارا استراتيجيا استمر في السنوات اللاحقة: إفريقيا هي المجال الأول للتوسع الخارجي للمنتجات الكهرومنزلية الجزائرية.

أما "بومار/ ستريم" فتمثل النموذج المقابل، إذ ركزت على أوروبا إلى جانب إفريقيا، وأقامت علاقات تصدير مع إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، ثم وسعت شبكتها إلى دول أوروبية أخرى. يمكن القول إن خريطة التصدير الجزائرية تنقسم عمليا إلى مسارين: المنتجات الكهرومنزلية تتجه بقوة نحو إفريقيا والعالم العربي، بينما استطاعت بعض المنتجات الإلكترونية، خصوصا التلفزيونات، بناء موطئ قدم في أوروبا أيضا.

رغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التحدي الأهم أمام الصناعة يبقى في القيمة المضافة المحلية، فارتفاع نسبة المنتجات المصنعة محليا لا يعني بالضرورة أن جميع مكوناتها محلية.

الشراكات الأجنبية.. من استيراد العلامة إلى التصنيع في الجزائر

يبقى أحد التحولات المهمة في شعبة الصناعات الإلكترونية والكهرومنزلية، في السنوات الأخيرة، هو دخول علامات دولية في شراكات إنتاجية مع مؤسسات جزائرية.

فـ"كوندور" دخلت في شراكة مع "هايسنس" لإنتاج أجهزة في الجزائر، كما أعلنت عن مشروع كبير لصناعة المكيفات بطاقة مليوني جهاز سنويا، منها 80 بالمائة للتصدير، أي حوالي 1.6 مليون جهاز، مع استثمار معلن في حدود 200 مليون دولار، وفقا لتصريحات مسؤولي المجموعة. وهذا النوع من الشراكات يمكن أن يؤدي وظيفتين في وقت واحد: تلبية السوق الجزائرية من خلال الإنتاج المحلي وتحويل الجزائر إلى قاعدة إنتاج موجهة إلى أسواق أخرى.

كما أن تجربة "بومار" مع "آلجي" و"هايسنس" وغيرها تظهر كيف يمكن للشراكة أن تتحول من مجرد علاقة تجارية إلى نقل للتكنولوجيا والمعرفة الصناعية.

تسمح المؤشرات هذه بالقول إن الجزائر أصبحت تمتلك قاعدة صناعية حقيقية في الإلكترونيات والكهرومنزلية، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى "قوة كبرى" في هذا المجال. فالجزائر تمتلك سوقا داخلية كبيرة وشبكة من المؤسسات المنتجة ومهارات بشرية ومناطق صناعية متخصصة وبعض العلامات التي بدأت تصدر، فضلا عن موقع جغرافي يؤهلها للربط بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، لكنها في المقابل تواجه منافسة قوية من تركيا والصين ومصر وتونس، إضافة إلى العلامات العالمية التي تمتلك قدرات مالية وتكنولوجية وتسويقية أكبر.

كما أن ارتفاع تكاليف النقل يمثل تحديا مهما أمام المنتج الوطني، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأجهزة الكبيرة والثقيلة مثل الثلاجات والغسالات والمكيفات. وقد أشار مسؤولو مؤسسات الإنتاج في مناسبات عديدة إلى أن تكاليف النقل والرسوم والمصاريف اللوجستية تشكل أحد العوائق أمام تعزيز الصادرات، ومن هنا فإن "معركة التصدير" لن تحسم داخل المصنع فقط، وإنما أيضا في الموانئ وشبكات النقل والتمويل والتأمين وخدمات ما بعد البيع ومراكز الصيانة والتوزيع في الأسواق الخارجية.

من "صنع في الجزائر" إلى "صنع القيمة في الجزائر"

هنا يصبح شعار المعرض المرتقب في برج بوعريريج شهر سبتمبر القادم أكثر دلالة: "من الجزائر.. نصنع القيمة ونعزز التصدير". فالهدف الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد زيادة عدد الأجهزة التي تحمل عبارة "صنع في الجزائر" وإنما رفع القيمة التي تبقى فعليا داخل الاقتصاد الوطني.

عندما يصنع المصنع الثلاجة ويستورد الضاغط (كومبريسور) والمحرك واللوحة الإلكترونية والصفائح والمكونات البلاستيكية، فإن القيمة المحلية تكون محدودة نسبيا. أما عندما يبدأ في تصنيع الضاغط واللوحات الإلكترونية والمكونات المعدنية والبلاستيكية ويستعين بمؤسسات مناولة جزائرية ويطور البرمجيات والتصميم محليا ويصدر المنتج النهائي، فإن القيمة المضافة تصبح أكبر بكثير، وهذا هو المسار الذي يبدو أن الصناعة الجزائرية بدأت تسلكه، وإن كان لا يزال يحتاج إلى استثمارات أكبر في البحث والتطوير وصناعة المكونات والتكوين والمناولة والمعايير والاختبارات والملكية الفكرية.