رياضة

الانقلاب على بيتكوفيتش.. أسئلة تنتظر إجابات من صادي

في 7 جوان الماضي، أكد رئيس "الفاف"بأن الناخب الوطني قدم الإضافة وحقق نتائج جيدة واستحق بالتالي تجديد عقده إلى 2028.

  • 5619
  • 4:07 دقيقة
بيتكوفيتش ووليد صادي
بيتكوفيتش ووليد صادي

قبل أقل من شهر فقط، كان رئيس الاتحاد الجزائري لكرة القدم، وليد صادي، يتحدث بثقة عن استراتيجية "الفاف" المبنية على الاستقرار الفني، ليقدم قرار تمديد عقد الناخب الوطني، فلاديمير بيتكوفيتش، إلى غاية 2028، على أنه تجسيد لهذه الرؤية، لكن المشهد حاليا انقلب 180 درجة.

في 7 جوان، وقبل سفر المنتخب إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في نهائيات كأس العالم، قال صادي بوضوح في تصريحات لممثلي الإعلام : "استراتيجيتنا تقوم على أن النتائج الإيجابية تتحقق مع الاستقرار، والحمد لله المنتخب يحقق نتائج إيجابية، والناخب الوطني أعطى الإضافة، وأعطى إضافة قوية في الجانب التقني، ولهذا كان هناك إجماع داخل المكتب الفدرالي على تمديد عقده وهذه إضافة للجزائر".

لكن التوجه الحالي تغير كليا، بعد إقصاء المنتخب الوطني أمام سويسرا في الدور الـ16 من المونديال. فالتسريبات المتداولة، والتي يبدو أن مصدرها هو رئيس "الفاف" نفسه، تشير إلى أن الاتحاد الجزائري لكرة القدم استقر على فسخ العقد الجديد لبيتكوفيتش، في انتظار الإعلان الرسمي عن القرار.

وإذا تأكدت هذه الأخبار، فإن أول ما سيطرح نفسه هو سؤال حول المصداقية والانسجام في تسيير "الفاف" وقراراتها الفنية ، فلم يعد المطلوب اليوم من وليد صادي اتخاذ قرار بشأن مستقبل الناخب الوطني فقط، وإنما قبل ذلك الخروج للرأي العام وتوضيح حقيقة ما جرى ويجري حاليا، وما إذا كان قد حسم فعلا قراره بإنهاء علاقة العمل مع بيتكوفيتش، على غرار ما فعل بعد نهائيات "كان" كوت ديفوار وإعلانه مباشرة قرار فسخ عقد بلماضي، فالجزائريون من حقهم أن يعرفوا أسباب هذا التحول المفاجئ، خاصة وأن الرجل نفسه كان قبل أسابيع قليلة يقدم التقني السويسري على أنه صاحب إضافة تقنية واضحة، وأن استمراره يدخل ضمن استراتيجية طويلة المدى قوامها الاستقرار.

وفي حال تقرر فعلا فسخ العقد، فإن صادي سيكون مطالبا أيضا بتقديم تفسير مقنع حول الأسباب التي دفعته إلى تغيير موقفه بهذه السرعة. فهل كان التمديد الذي أُعلن عنه قبل المونديال مبنيا على قناعة فنية حقيقية، أم أنه كان قرارا متسرعا؟ وإذا كانت هذه القناعة قد تغيرت بعد بطولة واحدة، أو لنقل مباراة واحدة، فأين أصبحت استراتيجية الاستقرار التي تحدث عنها رئيس "الفاف" بنفسه؟

ولم يقتصر هذا التحول على "الوزير" فقط، بل امتد أيضا إلى عدد من الجهات والمنابر الإعلامية التي كانت، إلى غاية انطلاق المونديال وإلى غاية مباراة النمسا، تشيد ببيتكوفيتش وتقدمه على أنه المدرب الذي أعاد الانضباط الفني للمنتخب، وتثني على "دهائه" و"جنونه" التكتيكي، وهي عبارات تكررت كثيرا، وكان من الواضح في كثير من الأحيان أنها تستعمل أيضا في سياق المقارنة مع الناخب الوطني السابق، جمال بلماضي، أو حتى "نكاية" فيه، أكثر من كونها تقييما موضوعيا لعمل المدرب السويسري.

لكن بعد الإقصاء، انقلب الخطاب بشكل لافت، وتحولت المنابر نفسها إلى تحميل بيتكوفيتش كامل مسؤولية ما حدث، وكأن كل ما سبق من إشادة لم يكن موجودا. والأكثر غرابة أن هذا التحوّل لم يستند إلى مراجعة فنية عميقة، بقدر ما جاء منسجما مع موجة الغضب الجماهيري التي اجتاحت الشارع الرياضي عقب الخروج من المونديال.

والحقيقة أن تقييم تجربة بيتكوفيتش ينبغي أن تكون أكثر توازنا. فمن حق الجميع انتقاد الأداء الفني للمنتخب، بل إن هذا الجانب كان محل إجماع، إذ ظهر "الخضر" بعيدا عن المستوى المنتظر، خاصة من حيث جودة اللعب والقدرة على فرض الشخصية فوق أرضية الميدان، وغياب الروح القتالية التي كانت مرجعا فيها، غير أن النتائج في حد ذاتها لم تكن بالكارثية التي يحاول البعض تصويرها اليوم.

فالمنتخب بلغ الدور الثاني وحقق الهدف المسطر المعلن وخرج أمام منتخب سويسري محترم، وهو مشوار لا يعد الأسوأ مقارنة ببعض المشاركات السابقة، حتى وإن كان لا يرقى إلى سقف الطموحات. لذلك، فإن جوهر المشكلة كان في المردود الفني أكثر من النتائج الفنية.

أما تصوير بيتكوفيتش اليوم على أنه أصل كل الإخفاقات، فهو قراءة متسرّعة تتناقض مع الخطاب الذي كان سائدا خلال الدور الأول، عندما كانت نفس المنابر تحتفي بالمدرب وتعتبره صاحب مشروع ناجح.

ويبدو أن كثيرا ممن كانوا يدافعون عن بيتكوفيتش لم يستطيعوا مجاراة التيار الجارف للغضب الجماهيري بعد الإقصاء، فاختاروا تغيير مواقفهم بالكامل، بدل الدفاع عن قناعاتهم السابقة أو تقديم مراجعة موضوعية ومتوازنة.

فالانتقال من الإشادة المطلقة إلى الإدانة المطلقة، في ظرف أيام قليلة، لا يعكس بالضرورة تطورا في القراءة الفنية، بقدر ما يعكس خضوعا لضغط الرأي العام.

فمهما يكن، يجب على كل طرف تحمّل مسؤولياته، خاصة فيما يتعلق بقرار التمديد الذي اتضح أنه لم يكن ثمرة نقاش واسع داخل المكتب الفدرالي، بل كان في الأساس قرارا شخصيا من وليد صادي، قبل أن يمرر لاحقا خلال اجتماع المكتب الفدرالي في شكل إجراء شكلي. وإذا صح ذلك، فإن المسؤولية السياسية والإدارية عن قرار التجديد تقع بالدرجة الأولى على عاتق رئيس "الفاف"، تماما كما تقع عليه مسؤولية أي قرار لاحق بفسخ العقد وما قد يترتب عنه من تبعات مالية وقانونية.

فليس من المقبول أن يتحوّل الحديث عن الاستقرار إلى مجرد شعار يرفع في فترات النتائج الإيجابية، ثم يتم التخلي عنه عند أول إخفاق. فالاستراتيجيات تقاس بقدرتها على الصمود في الأوقات الصعبة، لا في لحظات الانتصار فقط.

وإذا كان بيتكوفيتش يتحمّل نصيبه من مسؤولية الإقصاء، وقد يتحمل النصيب الأكبر، فإن وليد صادي بدوره مطالب بتحمّل كامل مسؤوليته في القرارات التي اتخذها. فمن اختار المدرب، ودافع عنه، ومدد عقده تحت عنوان "الاستقرار"، لا يمكنه اليوم الاكتفاء بإنهاء العلاقة معه دون تقديم تفسير واضح للرأي العام. فالشفافية والمساءلة هما أساس أي تسيير محترف، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمستقبل المنتخب الوطني.