الوطن

الترحيل.. ورقة انتخابية رخيصة

فرنسا تسيّس ملف الجزائريين وتبحث عن شماعة لأزماتها الداخلية.

  • 2261
  • 2:54 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

بعد أيام من إعادة تفعيل قنوات الاتصال والتعاون الأمني والقضائي بين الجزائر وفرنسا، عادت قضية "إلزامية مغادرة الأراضي الفرنسية" (OQTF) لتتصدر واجهة النقاش، وتختبر جدية ومصداقية السلطات الفرنسية، وسط تساؤلات متزايدة حول من يدير هذا الملف؟ ومن الجهة التي حوّلته إلى أداة توظيف سياسي مفضوح؟.

تكشف قراءة موضوعية للمؤشرات الميدانية والبيانات الحقيقية أن التناول الفرنسي للملف يحمل في طياته الكثير من التسييس، مقارنة بالواقع العملي على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن قضية "أو.كي.تي.أف" تحولت في الآونة الأخيرة إلى ما يشبه السجل التجاري أو الورقة الرابحة للمزايدات السياسية لدى بعض الدوائر النافذة في الإدارة الفرنسية ولدى تيارات معادية للجزائر. والمتأمل في المشهد السياسي الفرنسي يدرك أن هذا الملف ظل هامشيا ولم يحظَ بهذا الزخم الإعلامي المكثف إلا مع تولي برونو ريتايو وزارة الداخلية، حيث أبرزت القضية كـ"قشرة فارغة"، الغرض الأساسي منها مغازلة اليمين المتطرف وتوظيفها لخدمة مآرب وأجندات انتخابية بحتة، بعيدا عن الالتزام الإداري المرجو.

لغة الأرقام تفند سياسة الإنكار

وفي مقابل الخطاب الفرنسي الحادّ، تبرز لغة الأرقام الرسمية لتؤكد أن الجزائر تتعامل بمسؤولية وجدية تامة مع الملف، وتفند أي ادعاء بوجود تنصل أو إنكار من الجانب الجزائري. ولعل أبرز دليل على ذلك هو التفاوت الواضح بين التسهيلات القنصلية الممنوحة ونسبة تنفيذها من الطرف الفرنسي، فمن بين 179 تصريح مرور قنصلي منحتها السلطات الجزائرية لتسهيل عمليات الترحيل، لم تقم المصالح الفرنسية المختصة باستغلال سوى 90 تصريحا فقط. هذه الفجوة تضع السلطات الفرنسية أمام محك الصدق السياسي، وتطالبها بالاعتراف علنا بأن التعطيل لا يكمن في الموقف الجزائري، بل في آليات التنفيذ والتسيير الإداري لهذا الملف على مستواها الداخلي.

نداء الوطن.. عودة طوعية بصدى واسع

وفي المقابل، يظهر الفارق الجوهري بين إجراءات الترحيل القسري والسياسة الممنهجة التي تعتمدها الدولة الجزائرية تجاه أبنائها في الخارج، حيث لقي النداء الأخير شهر جانفي 2026 الذي وجهه الرئيس تبون للمغتربين والجزائريين المتواجدين في وضعيات غير نظامية للعودة إلى أرض الوطن، صدى واسعا وتجاوبا كبيرا.

وقد تجسد هذا النجاح ميدانيا في تسجيل عودة طوعية لأكثر من 320 شخصا اختاروا الاستجابة لنداء السلطات العمومية والاندماج مجددا في النسيج الوطني، مما يعكس بوضوح نجاعة المقاربة الجزائرية القائمة على الثقة والتكفل الجدي بهذا الملف من طرف جميع الممثليات القنصلية والجهاز الدبلوماسي، مقارنة بمقاربة المقايضة السياسية الإقصائية التي دأبت عليها السلطات الفرنسية.

ويأتي هذا الرقم في ظرف زمني لم يتجاوز خمسة أشهر، منذ النداء الذي وجهه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال اجتماع مجلس الوزراء، والذي دعا فيه الشباب الجزائري المتواجد بالخارج في أوضاع هشة وغير قانونية إلى العودة إلى الوطن، مع إمكانية تسوية وضعياتهم القانونية.

وخلال ذلك الاجتماع، أكد تبون أن عددا كبيرا من هؤلاء الشباب تم دفعهم إلى الخطأ عمدا من قبل جهات حاولت استغلالهم للإساءة إلى صورة الدولة الجزائرية أو توظيفهم ضد وطنهم في الخارج، موضحا أن أغلب الحالات لا تتعلق بجرائم خطيرة، بل بجنح بسيطة أو سوء فهم لإجراءات مرتبطة بالنظام العام. كما أشار إلى أن بعض الأطراف استغلت أرقام الهجرة غير النظامية أو ما يعرف بـ"الحرڤة" لتشويه صورة الجزائر، ودفع الشباب إلى مغادرة البلاد بطرق غير قانونية، ما عرضهم لاحقا لأوضاع اجتماعية صعبة في بلدان الإقامة، حيث يعيش العديد منهم في ظروف هشة تتراوح ما بين الفقر والاستغلال في أعمال شاقة أو غير لائقة، بينما يتم استغلال بعضهم في أنشطة قد تضر بمصالح وطنهم.

ولم يترك الرئيس تبون مجالا للغموض حين أكد مخاطر وقوع بعض الشباب في أيدي شبكات إجرامية عابرة للحدود، بما قد ينعكس سلبا على صورتهم داخل وخارج البلاد.

وفي إطار إضفاء طابع مؤسساتي جادّ، اتخذ مجلس الوزراء قرارا يقضي بتسوية وضعية الجزائريين المعنيين، شريطة الالتزام بعدم تكرار المخالفات، على أن يتم تنفيذ هذا القرار عبر القنصليات الجزائرية في الخارج، إلى غاية استكمال إجراءات العودة إلى أرض الوطن، والتي ما تزال سارية بإشراف حكومي رفيع.