اتفقت الجزائر وجمهورية تشيلي، المُتصدّرة عالمياً في إنتاج النحاس والليثيوم، في خطوة تؤشر على تسريع توجه الجزائر نحو تثمين مواردها المنجمية الإستراتيجية، على إعادة تفعيل لجنتهما المختلطة للتعاون في القطاع المنجمي وإنشاء فريق عمل تقني يضطلع بتحديد مشاريع مشتركة ملموسة، مع تركيز خاص على مادتي النحاس والليثيوم اللتين تكتسيان أهمية محورية في التحوّل الطاقوي العالمي.
جاء ذلك خلال استقبال وزير المناجم والصناعات المنجمية، مراد حنيفي، لسفير تشيلي بالجزائر، خوان كلاوديو فالينزويلا، إذ استعرض الجانبان واقع العلاقات الثنائية وآفاق الشراكة في مجالات الاستكشاف والاستغلال والتثمين، بحضور كاتبة الدولة لدى الوزير، كريمة بكير طافر.
وخلصت المباحثات إلى الاتفاق على إنشاء آلية عمل فنية تتولى الإعداد لتبادل زيارات الخبراء وتجسيد مشاريع تعاون ذات أولوية، في مؤشر على إرادة سياسية عليا لتجسيد شراكة رابحة ومتوازنة.
وتكتسب مادتا النحاس والليثيوم أهمية استثنائية في الاقتصاد العالمي المعاصر؛ فالنحاس يُعد الشريان الأساسي للكهرباء والطاقات المتجددة والمركبات الكهربائية، فيما يُوصف الليثيوم بـ"الذهب الأبيض" لكونه مكوناً لا غنى عنه في صناعة البطاريات القابلة لإعادة الشحن التي تقوم عليها الثورة التكنولوجية الخضراء.
وتُهيمن تشيلي على المرتبة الأولى عالمياً في إنتاج النحاس بحصة تتجاوز ربع الإنتاج العالمي، كما تتربع على المرتبة الثانية في إنتاج الليثيوم، ما يجعل خبرتها المتراكمة ونسيجها المؤسساتي والقانوني مرجعاً دولياً في هذا المضمار.
ومن هذا المنطلق، تكتسي الشراكة الجزائرية-التشيلية بعداً استراتيجياً يتجاوز مجرد تبادل الخبرات إلى بناء قدرات وطنية في سلاسل القيمة المنجمية الحديثة، في وقت تسعى فيه الجزائر، بموجب توجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، إلى جعل القطاع المنجمي رافعة للتنويع الاقتصادي ومصدراً بديلاً للعملة الصعبة.
وتوفر الاستراتيجية الوطنية الجديدة وقانون المناجم المعدّل حوافز استثمارية مهمة تشمل تسهيلات جمركية وضمانات قانونية لاستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، وهو ما أشاد به السفير التشيلي الذي أكد استعداد بلاده لتقاسم تجربتها وخبراتها مع الجزائر.
وتملك الجزائر قدرات واعدة في هاتين المادتين الإستراتيجيتين، إذ تُشير المعطيات الجيولوجية إلى تواجد احتياطيات معتبرة من النحاس في مناطق الجنوب الكبير، لاسيما في الدرع التواتي-الهڤاري، إلى جانب مؤشرات استكشافية أولية مشجّعة لعناصر الليثيوم والأتربة النادرة.
وتعمل الوكالة الوطنية للنشاطات المنجمية حالياً على تكثيف حملات الاستكشاف والتنقيب لتقييم هذه الموارد بدقة، تمهيداً لإطلاق مشاريع استغلالية كبرى تُضاف إلى المنجزات التي تحققت في الحديد (غارا جبيلات) والزنك والرصاص (تالة حمزة - وادي أميزور) والفوسفات (بلاد الحدبة).
وتضمنت محاور التعاون المطروحة، إلى جانب الاستكشاف والإنتاج، تطوير تقنيات استخراج صديقة للبيئة وتكوين متخصص للمهندسين والتقنيين في الصناعات الاستخراجية والتحويلية، إضافة إلى الاستفادة من التجربة التشيلية المتقدمة في الأطر التنظيمية والتشريعية الحاكمة للنشاط المنجمي. وهو ما يؤسس لشراكة متكاملة تُحوّل الموارد الطبيعية إلى ثروة حقيقية مستدامة، وتضع الجزائر على خريطة المزودين الموثوقين بالمعادن الحرجة لمستقبل الطاقة النظيفة.
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال