الوطن

ماكرون يهادن الجزائر ويغازل إفريقيا

أكد أن الوقت قد حان لتجاوز الخلافات.

  • 595
  • 2:12 دقيقة
الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الصورة: ح.م.
الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الصورة: ح.م.

أطلق الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، سلسلة تصريحات من العاصمة الكينية نيروبي على هامش مشاركته في قمة "أفريقيا إلى الأمام" حملت مؤشرات على رغبة الإليزيه في تبني مقاربة جديدة تهدف إلى تخفيف التوترات وإعادة بناء العلاقات مع الجزائر بعد أشهر من الفتور.

ومن هذا المنطلق، أكد ماكرون أن الوقت قد حان لتجاوز الخلافات، معتبرا أن الزيارة الأخيرة للمسؤولة الفرنسية، أليس روفو، إلى الجزائر قد تشكل نقطة تحول نحو استئناف الحوار الثنائي على أسس أكثر متانة. كما شدد على أن العلاقات بين البلدين يجب أن تكون "هادئة وبناءة وقائمة على الاحترام المتبادل"، محذّرا من أن استمرار القطيعة لا يخدم أي طرف، بل يعرقل ملفات حيوية مثل التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، إضافة إلى قضايا الهجرة والتجارة.

انتقل ماكرون في خطابه إلى السياق الداخلي في بلاده، حيث انتقد ماكرون بشدة استغلال بعض التيارات السياسية في فرنسا للملف الجزائري لأغراض انتخابية، مؤكدا أن تجميد قنوات الحوار أثبت فشله، خاصة في ملفات حساسة لا يمكن حلها إلا عبر التفاوض المباشر مع الجزائر.

وتزامنت هذه التصريحات مع إحياء الذكرى السنوية لمجازر 8 ماي 1945، حيث جدد الإليزيه التزامه بمواصلة معالجة ملف الذاكرة التاريخية باعتباره أساسا لبناء مستقبل مشترك.

وفي سياق أوسع، تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الحضور الفرنسي في إفريقيا تحولات عميقة، حيث لم يعد البعد الثقافي والسياسي وحده كافيا لإعادة ترميم النفوذ المتراجع. فقد وجدت باريس نفسها أمام قارة إفريقية أكثر استقلالية وندية، تتطلع إلى مستقبل يصنعه أبناؤها، مستندة إلى نماذج محلية تنموية بعيدا عن منطق الوصاية والهيمنة.

تندرج هذه التحركات ضمن محاولة متأخرة لإعادة التموقع، في وقت تتبنى فيه الدول الإفريقية، مدفوعة بجيل سياسي جديد، منطق شراكة يقوم على النديّة والسيادة والمصالح المشتركة. وبذلك أصبح النفوذ الفرنسي مرتبطا بمدى قدرته على التكيف مع نظام دولي متعدد الأقطاب لم يعد يمنح امتيازات تاريخية لأي قوة.

وعلى صعيد الحصيلة العامة وقبل توجهه إلى نيروبي، لابد من الإشارة إلى أن حصيلة الرئيس إيمانويل ماكرون سجلت تراجعا واضحا في الحضور الفرنسي داخل الجزائر وإفريقيا بشكل عام، حيث انتقلت العلاقات من شراكات تقليدية إلى أزمات متكررة وقطيعات دبلوماسية متصاعدة.

ففي الجزائر على وجه الخصوص، تعمق الجمود السياسي بفعل استمرار التوتر حول ملفات الذاكرة وجراح الاستعمار، إضافة إلى خطاب سياسي متطرف وممارسات مستفزة، أضعفت قنوات الحوار وأدت إلى تعطيل عدد من مجالات التعاون بين البلدين.

أما على المستوى الإفريقي، فقد تعرض النفوذ الفرنسي المثقل بالارث الاستعماري الثقيل (المهيمن والإجرامي) لضربة قوية، خاصة في منطقة الساحل التي شهدت موجات رفض شعبي واسعة للوجود الفرنسي، في مقابل صعود قوى دولية منافسة نجحت في ملء جزء من الفراغ.

تعكس حصيلة السياسة الإفريقية لباريس في عهد ماكرون، انتقالا من النفوذ التقليدي إلى تراجع تدريجي في موقعها الاستراتيجي، ما يجعل مهمة إعادة بناء الثقة مع الشركاء أكثر تعقيدا، في ظل تفضيل متزايد لعلاقات تقوم على الندية بدل التبعية.