الوطن

قطع العلاقات مع الإمارات.. ما الآثار القانونية والاقتصادية؟

"الخبر" تستطلع آراء خبراء.

  • 995
  • 3:56 دقيقة

حمل قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، آثارا قانونية واقتصادية يرى محللون أنها لن تلحق أضرارا بالمصالح الوطنية بالنظر إلى محدودية الاعتماد المتبادل في القطاعات الاستراتيجية، وتعدد البدائل والشركاء الاقتصاديين والسياسين للجزائر.

قال المحامي نور الدين بن زعيم "إن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة يجرّ إلى بحث الآثار القانونية المترتبة عنه، بالاستناد إلى أحكام وبنود اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية التي تنظم الوضع القانوني الجديد والالتزامات المترتبة على الدولتين".

وأوضح بن زعيم في اتصال مع" الخبر" أبرز الآثار المباشرة لقرار قطع العلاقات الدبلوماسية وفي مقدمتها إنهاء التمثيل الدبلوماسي الرسمي بين البلدين، مشيرا إلى أن التمثيل قد يُخفض، بحسب الحالة، إلى مستوى قائم بالأعمال، بهدف مراعاة الشؤون القنصلية والإدارية لرعايا الدولتين.

وأضاف أن القرار يترتب عليه كذلك مغادرة السفير، وفقا للآجال التي منحت له، بما يسمح بتنظيم عملية المغادرة واستكمال الإجراءات المرتبطة بها، كما قد ينجر عن قطع العلاقات الدبلوماسية توقيف قنوات الاتصال الرسمية بين البلدين.

وبخصوص حصانة مقرات السفارات والبعثات الدبلوماسية والممتلكات التابعة لها، أكد بن زعيم أن اتفاقية فيينا توفر الحماية القانونية لهذه المقرات، كما تضمن الحفاظ على الوثائق والمستندات الخاصة بالبعثات الدبلوماسية.

وأوضح أن الدولتين يمكن أن تتفقا على تعيين قائم بالأعمال لرعاية مصالح رعايا كل دولة لدى الأخرى وضمان استمرار الخدمات القنصلية، كما يمكن، في هذا الإطار، الاتفاق على تكليف وسيط أو طرف ثالث برعاية هذه المصالح.

وشدد المحامي على ضرورة التمييز بين قطع العلاقات الدبلوماسية وتوقيف الخدمات القنصلية، مؤكدا أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية لا يعني، في حد ذاته، وقف الخدمات القنصلية بين البلدين، إلا إذا نص القرار صراحة على ذلك.

وأشار إلى أن الخدمات القنصلية يمكن أن تستمر لفائدة رعايا الدولتين، لاسيما فيما يتعلق بـالحالة المدنية، واستخراج عقود الزواج، وملفات التأشيرات، وتبادل الوثائق والأحكام القضائية المتعلقة بالأشخاص، وفقا للترتيبات القانونية المعمول بها.

وفيما يتعلق بالاتفاقيات الأخرى المبرمة بين البلدين، أوضح بن زعيم أن الاتفاقيات الدولية ذات الطابع التجاري والاقتصادي لا تتوقف تلقائيا بمجرد قطع العلاقات الدبلوماسية، وإنما تبقى خاضعة لأحكامها ونصوصها الخاصة، ما لم تتخذ الدولتان إجراءات قانونية أخرى بشأنها.

وأضاف أنه في حال نشوء نزاع حول تنفيذ هذه الاتفاقيات، فإن تسويته تتم وفقا للآليات المنصوص عليها في الاتفاقيات ذاتها، أو بالرجوع إلى القانون الدولي والتحكيم الدولي، بناء على طلب أحد الأطراف أو بموجب اتفاق بين الدولتين.

العلاقات الاقتصادية

من جانبها، قالت روضة المعلاوي، أستاذة العلاقات الدولية وخبيرة الأمن الطاقي بمركز جنيف للدراسات، إن تطورات الأزمة خلال المرحلة المقبلة يمكن أن تسير وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية، مشيرة إلى أن القطيعة السياسية لا تعني بالضرورة انتقالا مباشرا إلى قطيعة اقتصادية شاملة.

وأوضحت المعلاوي في تصريح لـ "الخبر"، أن السيناريو الأول يتمثل في استمرار القطيعة السياسية مع إبقاء العلاقات الاقتصادية منفصلة عنها، معتبرة أن استمرار الأزمة قد يدفع تدريجيا إلى إعادة ترتيب العلاقات الاقتصادية بين البلدين، دون أن تبدأ العملية بالضرورة بإلغاء الاتفاقيات أو الاستثمارات القائمة وإنما من خلال خطوات أكثر هدوءا، مثل إعادة تقييم بعض المشاريع المشتركة وتشديد التدقيق في الاستثمارات الجديدة وتقليص الاعتماد على التمويل أو الشراكات الإماراتية في القطاعات الاستراتيجية، إلى جانب توجيه المشاريع الجديدة نحو شركاء آخرين وإعادة النظر في بعض مسارات النقل والتجارة والاستثمار.

وأشارت المعلاوي إلى أن الجزائر تعمل بالفعل على توسيع شبكة شركائها الاقتصاديين، لافتة إلى تنامي التعاون مع ألمانيا في مجالات الغاز والطاقة وتطور العلاقات مع الصين في قطاعات الطاقة والخدمات والتكنولوجيا والبنية التحتية، فضلًا عن سعي شركة سوناطراك إلى توسيع حضورها في إفريقيا، بما في ذلك التعاون مع النيجر في قطاع المحروقات.

كما توقفت عند مساعي الجزائر لتعزيز حضورها في الأسواق الأوروبية، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومواردها الغازية، معتبرة أن هذه السياسة تمنح الجزائر هامشا أكبر للمناورة في حال استمرت الأزمة مع أبوظبي، حيث ستخسر الأخيرة موطئ قدم اقتصاديا في سوق جزائرية كبيرة تتمتع بموقع استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا.

وعليه، ترى الخبيرة أن القطيعة قد تبقى محصورة في المجال الدبلوماسي مع الحفاظ على جزء من العلاقات الاقتصادية القائمة، خاصة إذا ظلت هناك مصالح متبادلة تجعل الانفصال الاقتصادي الكامل مكلفا للطرفين.

وقالت المعلاوي إن الأزمة تأتي في ظرف دولي شديد الحساسية، حيث اقتربت أسعار النفط في سبتمبر 2026 من مستوى 100 دولار للبرميل وتجاوزته في بعض التعاملات، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية واضطرابات حركة الملاحة والطاقة، معتبرة أن هذه المعطيات تجعل أمن الإمدادات والطاقة أكثر ارتباطًا بالأمن القومي والدبلوماسية.

وأكدت أن الجزائر، باعتبارها موردًا مهمًا للغاز إلى أوروبا، تمتلك ورقة استراتيجية في هذه المرحلة، في حين تتمتع الإمارات، باعتبارها واحدة من كبار منتجي النفط عالميًا، بوزن كبير في أسواق الطاقة.

أما السيناريو الثاني، فتعتبره المعلاوي الأكثر واقعية في حال استمرار التوتر، ويتمثل في إعادة تقييم تدريجية للعلاقات الاقتصادية، دون الوصول إلى قطيعة اقتصادية معلنة، وإنما من خلال إعادة ترتيب الاستثمارات والمشاريع والشراكات والبحث عن شركاء بديلين.

في المقابل، يتمثل السيناريو الثالث في انتقال الأزمة إلى مواجهة اقتصادية مباشرة، وهو السيناريو الأكثر خطورة، وقد يشمل إلغاء اتفاقيات أو تجميد استثمارات أو تقليص التعاون في قطاعات استراتيجية. غير أن الوصول إلى هذه المرحلة، بحسبها، يعني أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف سياسي، وإنما تحولت إلى صراع مباشر على المصالح الاقتصادية.

نسرين جعفر