الوطن

توثيق جرائم الاستعمار ومخلفاته الإيكولوجية بالأدلة العلمية

المرصد الوطني للبيئة يستعرض نتائج علمية لآثار الأسلحة الحارقة.

  • 19
  • 6:48 دقيقة
ح.م
ح.م

أكد المشاركون في لقاء وطني حول الذاكرة البيئية على ضرورة توثيق الأضرار البيئية التي خلفها الاستعمار الفرنسي في الجزائر ضمن مساعي صون الذاكرة الوطنية وإبراز الجرائم التي لم تقتصر آثارها على الإنسان، حيث شدد متدخلون على أهمية توثيق هذه الانتهاكات بالأدلة العلمية، باعتبارها جزءا من كتابة التاريخ وحفظ حقوق الأجيال القادمة، مؤكدين أن تداعيات التجارب النووية والأسلحة الكيميائية لا تزال تلقي بظلالها على البيئة والصحة رغم مرور عقود على الاستقلال.

وجاء ذلك خلال لقاء وطني حول الذاكرة البيئية نظمته وزارة البيئة وجودة الحياة اليوم السبت على مستوى النادي الوطني للجيش ببني مسوس تزامنا مع إحياء الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة.  

وفي كلمة افتتاحية أكدت وزيرة البيئة وجودة الحياة كوتر كريكو أن ملف الذاكرة البيئية يشكل مسارا وطنيا وعلميا لتوثيق الجرائم الاستعمارية الفرنسية التي طالت البيئة والإنسان في الجزائر، مشددة على ضرورة حشد الأدلة العلمية والشهادات التاريخية لإثبات المسؤولية عن الانتهاكات التي خلفت آثاراً بيئية وإيكولوجية لا تزال مستمرة إلى اليوم.

وأبرزت الوزيرة النتائج المرحلية لأشغال اللجنة الوطنية المشتركة للذاكرة البيئية، التي تعمل على جمع الأدلة العلمية المدعمة بالشهادات التاريخية، بهدف توثيق الانتهاكات الاستعمارية وتأسيس عناصر المسؤولية القانونية عنها، والكشف عن حجم الأضرار التي لحقت بالأنظمة البيئية الوطنية، بما يتعارض مع الأعراف والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية البيئة.

من جهته، أبرز وزير المجاهدين وذوي الحقوق تاشريفت عبد المالك أهمية المشروعين الاستراتيجيين اللذين تشرف عليهما وزارة المجاهدين وذوي الحقوق، والمتمثلين في "الجلسات الوطنية للذاكرة والتاريخ"، التي احتضنها المركز الدولي للمؤتمرات "عبد اللطيف رحال" يومي 27 و28 أكتوبر 2026 تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية، ومشروع القانون المتعلق بالذاكرة الوطنية، الذي تتواصل الإجراءات الخاصة بدراسته واستكماله بالتنسيق مع مختلف القطاعات والهيئات والمنظمات الوطنية.

كما أعلن الوزير عن التحضير، بالشراكة مع وزارة البيئة وجودة الحياة، لتنظيم ورشة موضوعاتية حول الذاكرة البيئية والتنمية المستدامة، وذلك في إطار مواصلة أشغال الجلسات الوطنية للذاكرة والتاريخ، وبمناسبة إحياء الذكرى السابعة والستين للتفجيرات النووية الفرنسية بمنطقة رقان، خلال شهر فيفري 2027.

وبخصوص الآثار البيئية والإنسانية للتفجيرات النووية الاستعمارية، أشاد وزير المجاهدين وذوي الحقوق بالجهود التي تبذلها وزارة الدفاع الوطني، بالتنسيق مع الوكالة الوطنية لإعادة تأهيل المواقع القديمة للتجارب والتفجيرات النووية الفرنسية بالجنوب الجزائري، لاسيما العملية الثانية لتطهير موقع نفق "بيريل E2" بمنطقة إن إيكر بولاية تمنراست، التي انطلقت بالتزامن مع الاحتفالات المخلدة للذكرى الثانية والسبعين لثورة نوفمبر المجيدة.

وأكد أن هذه العملية المعقدة تُنفذ بكفاءات وإمكانات وطنية خالصة، وفق أعلى المعايير المعتمدة في مجال تجميع وتخزين النفايات المشعة، بما يعكس، حسبه، أهمية الإمكانات الوطنية في معالجة مخلفات التجارب النووية الاستعمارية والتصدي لآثارها البيئية والصحية.

وفي السياق ذاته، نوّه تاشريفت بالدور الذي اضطلع به الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني، في تطهير خطي الألغام الاستعمارية على الحدود الشرقية والغربية، وهي العملية التي ساهمت في تحويل مناطق كانت تشكل خطراً على حياة المواطنين إلى أراضٍ آمنة ومؤهلة لاحتضان مشاريع التنمية.

مسؤولية أخلاقية

في سياق متصل أكد رئيس اللجنة الجزائرية للتاريخ والذاكرة، لحسن زغيدي، أن دولا قليلة في العالم عانت ما عانته الجزائر منذ دخول الاستعمار الفرنسي، بالنظر إلى حجم الجرائم التي استهدفت الإنسان والأرض، ومن بينها استخدام الأسلحة الكيميائية والنابالم في إطار سياسة عسكرية خلفت آثارا إنسانية وبيئية عميقة، مست مناطق من وسط البلاد والحدود الغربية والشرقية، فضلا عن المناطق الساحلية.

وأضاف أن الجزائر، منذ السنوات الأولى للاستقلال، أدركت أهمية حماية ثرواتها وبيئتها، وهو ما انعكس في إدراج المسألة البيئية ضمن الدستور الأول للبلاد التي ظلت تواجه تبعات الجرائم الاستعمارية، لا سيما التفجيرات النووية الفرنسية التي بلغ عددها 17 تفجيرا، من بينها أربعة تفجيرات جوية وأربعة سطحية، امتدت آثارها الإشعاعية إلى مناطق خارج القارة الإفريقية، ووصلت إلى جنوب أوروبا وشمال أمريكا.

وأشار المتحدث إلى أن مساحة واسعة من الأراضي الجزائرية تعرضت للتلوث الإشعاعي، خاصة في الشمال، حيث طالت الأضرار السلاسل الجبلية والهضاب والغابات، التي لا تزال بعض مناطقها تحمل آثار التجارب النووية، سواء على مستوى التربة والغطاء النباتي أو صحة الإنسان والحيوان والتوازنات البيئية.

وفي السياق ذاته، لفت زغيدي إلى أن التفجيرات النووية الأربعة التي أجريت تحت الأرض تجاوزت قوتها، حسب تصريحه، خمسين ضعف قوة قنبلة هيروشيما، ما أدى إلى انتشار سحب وجزيئات مشعة تجاوزت الحدود الإقليمية، مخلفة تداعيات لم تقتصر على سطح الأرض، بل امتدت إلى باطنها ومختلف مكونات النظام البيئي.

وشدد على أن آثار هذه التجارب لا تزال مطروحة إلى اليوم، بالنظر إلى انعكاساتها الصحية والبيئية، وما قد تتركه من تداعيات على الأجيال اللاحقة، مؤكدا أن توثيق هذه الجرائم وإبراز آثارها يمثلان جزءا من مسؤولية الحفاظ على الذاكرة الوطنية.

نتائج علمية

وتضمن الملتقى جلسة علمية حول الذاكرة البيئية، سلطت الضوء على التداعيات البيئية المستمرة للجرائم الاستعمارية الفرنسية، ولا سيما التفجيرات والتجارب النووية، واستخدام الأسلحة الكيميائية والقنابل الحارقة والألغام، إلى جانب الاستغلال المنجمي، مؤكدة من خلال آراء المتدخلين أن المواقع المتضررة تشكل أرشيفا بيئيا مفتوحا يستوجب التوثيق العلمي والرصد المستمر وإدماجه ضمن السياسات الوطنية لحماية الذاكرة والبيئة.

كما أكدت الجلسة أن معالجة هذا الإرث تقتضي توثيق الجرائم ودراسة آثارها، والكشف عن النفايات النووية والمواد الخطرة،وفتح الأرشيف وإزالة الألغام وتأهيل المناطق المتضررة، مع المطالبة بالاعتراف بالمسؤولية التاريخية وتعزيز التعاون الإفريقي لتحقيق العدالة البيئية.

وفي هذا السياق، استعرض منشط الجلسة المبادرة الوطنية للذاكرة البيئية عبد الستار محمد، التي أطلقتها وزارة البيئة وجودة الحياة بالتنسيق مع وزارة المجاهدين وذوي الحقوق، باعتبارها جزءا من مسار صون الذاكرة الوطنية بمختلف أبعادها. وقد شملت المرحلة التحضيرية حسب شرحه رصد مواقع تعرضت لقصف النابالم بولايتي تبسة والنعامة، وإخضاعها لمعاينات ميدانية وتحاليل علمية، عُرضت نتائجها الأولية في أكتوبر 2026.

كما تم تنصيب لجنة وزارية وطنية مشتركة للذاكرة البيئية، تضم ممثلين عن مختلف القطاعات والهيئات، تتولى توثيق المواقع ذات الدلالة التاريخية والبيئية، وإعداد خرائط وقاعدة بيانات شاملة بشأنها، إلى جانب تقييم آثار الممارسات الاستعمارية على البيئة الجزائرية، بالاستناد إلى الوثائق التاريخية والشهادات والتحاليل المخبرية.

ويهدف هذا المسعى حسب المنشط إلى تحويل المواقع المتضررة إلى فضاءات للبحث والتوثيق، وترسيخ الذاكرة البيئية باعتبارها جزءا من الذاكرة الوطنية ومدخلا لتحقيق العدالة التاريخية والبيئية.

من جهته، عرض المدير العام للمرصد الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، إعراب كريم، نتائج التحاليل العلمية لعينات من التربة ببلديتي بئر العاتر بولاية تبسة وعين الصفراء بولاية النعامة، والتي كشفت عن مؤشرات على حدوث تغيرات في الخصائص الكيميائية للتربة بالمواقع المشتبه بتعرضها للأسلحة الحارقة، لاسيما النابالم، خلال الفترة الاستعمارية.

ففي ولاية النعامة، أظهرت التحاليل أن طبيعة التربة الرملية عالية النفاذية تحد من قدرتها على الاحتفاظ بالعناصر المعدنية، كما سجلت ارتفاعا ملحوظا في تركيز الحديد بالمواقع المشتبه بتعرضها للنابالم مقارنة بالمواقع المرجعية. ورصدت النتائج أيضا مستويات مرتفعة من العناصر الغذائية، على غرار النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، وهي مستويات لا تعني بالضرورة تحسنا في خصوبة التربة، بالنظر إلى احتمال اختلال توازنها الكيميائي والبيولوجي.

كما حذرت المؤشرات المسجلة من احتمال انتقال بعض العناصر المعدنية إلى الأراضي الزراعية، وما قد يترتب عن ذلك من تأثيرات على التوازن البيولوجي للتربة.

أما بولاية تبسة، فقد كشفت التحاليل عن بصمة جيوكيميائية مميزة بالمواقع المشتبه بتعرضها للنابالم، تمثلت في ارتفاع تراكيز الحديد والمغنيسيوم والألمنيوم مقارنة بالمواقع المرجعية، إلى جانب تفاوت مستويات هذه العناصر من موقع إلى آخر، بما يشير إلى أن التأثيرات المسجلة محلية وغير متجانسة.

وسجلت التحاليل كذلك أعلى تراكيز المنغنيز في قطاع زراعي أعيد تأهيله، وهي نتائج يرجح ارتباطها بتداخل عوامل مختلفة، من بينها الممارسات الزراعية والظروف الطبيعية للتربة.

ولم يقتصر العرض على النتائج المخبرية، إذ قدم المسؤول صورا وبيانات توضيحية لإبراز مظاهر الأضرار البيئية التي طالت المناطق المدروسة، في محاولة لتوثيق آثارها الميدانية وتعزيز الأدلة العلمية بشأنها.

وفي سياق توسيع نطاق البحث، كشف إعراب كريم عن تعميق الدراسة وتوسيعها لتشمل منطقة سيدي بلقاسم بولاية عين الدفلى، و بعد مناقشة النتائج الأولية على مستوى اللجنة الوزارية المشتركة، برزت الحاجة إلى الانتقال نحو مرحلة أكثر تقدما من البحث العلمي، تقوم على توسيع التحاليل والاستعانة بخبرات ومؤهلات مؤسسات وطنية متخصصة.

وفي هذا الإطار، أكد المتحدث على تعزيز التعاون المؤسساتي بإشراك وزارة الدفاع الوطني، ممثلة في المعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام، ووزارة المحروقات، ممثلة في شركة سوناطراك ومخابرها المتخصصة، بهدف تدعيم المقاربة العلمية وتوفير إمكانات تقنية أكثر دقة لتحليل العينات وتحديد طبيعة التحولات المسجلة.

وأكد المدير العام للمرصد، في ختام مداخلته، أن هذه الدراسة تمثل خطوة ضمن مسار علمي متكامل، مكنت من رصد مؤشرات مجهرية وكيميائية على حدوث تحولات في الخصائص البنيوية والتركيبية للتربة بالمواقع المدروسة، مشددا على أن المرحلة المقبلة ستشهد تعميق التحريات واستكمال التحاليل وفق مقاربات تقنية وعلمية بالغة الدقة.

كما أبرز أهمية التنسيق مع المركز الوطني للدراسات والبحث في المقاومة الشعبية والحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، والاستناد إلى شهادات المجاهدين الذين عايشوا تلك الأحداث، لمقارنة المعطيات العلمية بالشهادات التاريخية، والجزم بمدى ارتباط التحولات المسجلة بالأضرار الناجمة عن استخدام الأسلحة الحارقة، لاسيما النابالم، خلال الفترة الاستعمارية.

وتندرج هذه المساعي ضمن بناء ملف علمي وتاريخي متكامل، من شأنه توفير الأدلة اللازمة لإثبات الأضرار التي لحقت بالبيئة الجزائرية، وتوثيق مختلف أركان الجريمة الاستعمارية المرتكبة في حق الطبيعة.