العالم

نفوذ وغياب وصراعات.. كتاب جديد يكشف كواليس القصر المغربي

يغوص المؤلف، بين نفوذ دوائر خفية، وافتراس اقتصادي غير مسبوق، وانفصال كامل عن الواقع الاجتماعي.

  • 958
  • 4:11 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في ثاني حدث من نوعه في ظرف أقل من شهر، شهد مجال التأليف صدور كتاب جديد يكشف خبايا حوّل ملك المغرب، محدثا زلزالا في الأوساط السياسية في المملكة، بتطرقه إلى المناطق المعتمة للملك والدوائر المحيطة به وأيضا لفشله السياسي.

 ويغوص الكتاب الذي صدر الخميس الماضي، عن دار غراسي الشهيرة، بعنوان "رواية ملك"، ومن تأليف الصحفيين كريستوف أياد و وفريديريك بوبان، وقدم المؤلف على أساس أنه ثمرة سنوات من البحث والتقصي وتحيين دقيق لسلسلة مقالات نُشرت صيف 2025، كما أنه عبارة عن حصيلة حكم الملك الذي بات غيابه الجسدي يوازي الحضور الطاغي لمصالحه المالية، وفق تعبير تقارير إعلامية فرنسية.

 ويتحرك الكاتبان في المؤلف، بين نفوذ دوائر خفية، وافتراس اقتصادي غير مسبوق، وانفصال كامل عن الواقع الاجتماعي، ويغوصان في دهاليز سلطة بدأت تتآكل.

 ولم تعد القصة مجرد سيرة ملك، بل تشخيصًا لعطب بنيوي شامل، بحسب ما أفادت التقارير التي تناولت صدور الكتاب، فالمركزي الذي يسري في كل فصول الكتاب هو "الغياب".

فمنذ سنوات، يبدو أن الملك محمد السادس قد طور نفورًا من بروتوكولات الرباط، ومن ثقل المراسم الرسمية، ومن الاحتكاك المباشر برعاياه. فلقد أصبح، بحسب وصف المؤلفين، "ملكًا متقطع الحضور". فإقاماته الطويلة في الخارج، خصوصًا في فرنسا، "لم تعد استثناءات دبلوماسية، بل أسلوب حياة ".

 ويروي الكتاب بدقة أشهرًا من الجمود الإداري، حين كانت قرارات مصيرية تنتظر الحسم بينما ظل "أمير المؤمنين" بعيد المنال، غارقًا في نمط من الترف واللامبالاة.

ويكشف التحقيق عن ملك يهرب من مسؤولياته إلى رفاهية الفنادق الباريسية الفاخرة، تاركًا البلاد في وضعية قيادة آلية، مترقبة إشارة لا تأتي أبدًا.

 وأكثر الفصول إثارة للجدل، وربما الأكثر انفجارًا داخل المغرب، وفق أصحاب المؤلف، يتعلق بتنامي نفوذ الإخوة زعيتر. فهؤلاء الأبطال في رياضة الفنون القتالية المختلطة، ذوو الماضي القضائي المثير للجدل في ألمانيا، تمكنوا من اختراق الدائرة الملكية الضيقة إلى حد التحول إلى حراسها الفعليين.

 ويتحدث أياد وبوبان عن "نفوذ يتجاوز حدود التصور". فالإخوة يشغلون الإقامات الملكية، ويستعملون الأسطول الجوي الرسمي، ويتباهون بسلوكيات أثارت صدمة داخل المخزن التقليدي.

 وينقل الكتاب عن مصادره "لم يعد الدخول إلى القصر يتم عبر الاستحقاق أو النسب، بل عبر نعمة الصداقة مع الإخوة زعيتر، الذين تحولوا إلى الحراس الحقيقيين للإرادة الملكية".

 وقد خلق هذا الوضع، وفق المصدر نفسه، توترات غير مسبوقة داخل أجهزة الأمن، خاصة المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني، وحتى داخل الأسرة الملكية نفسها.

 ويرى المؤلفان في تحليلهما لهذه العلاقة، "انعكاسًا لرغبة ملك يسعى إلى التحرر من وضعه كملك، مفضّلًا صحبة "الأولاد السيئين" على مستشاريه الرسميين".

 ويُقدَّم نفوذ هذا باعتباره "دولة داخل الدولة"، ما أثار غضب النخبة المغربية التي ترى هيبة التاج تتآكل وسط منشورات إنستغرام الخاصة بالمقربين الجدد.

 كما اعتبر المؤلفان أن محمد السادس بصدد الانتقال من صورة "ملك الفقراء"، التي جرى تسويقها بعناية مع اعتلائه العرش سنة 1999، إلى صورة "ملك الأعمال"، لكونه حاضرا في كل القطاعات: البنوك، المناجم، التوزيع الكبير، التأمينات، والاتصالات.

 ويقول الصحفيان العاملان في جريدة "لوموند"، "تضارب المصالح في المغرب ليس حادثًا عرضيًا، بل هو جوهر نظام الحكم نفسه. فالملك يسن القوانين، وشركاته أول المستفيدين منها". و"كل صفقة اقتصادية كبرى في المغرب تبدو وكأنها تصب في النهاية في خزائن القصر، المقدرة بأكثر من خمسة مليارات يورو، والأكثر استفزازًا في ظل اتساع الفوارق الاجتماعية".

القمع بالتشهير بدل العصا

ولحماية هذا النظام وإخفاء غيابات الملك المتكررة، استبدل النظام القمع المباشر بسلاح أكثر خبثًا، على حد وصف المؤلفين، وهو التشهير العلني.

ويعود الكتاب إلى قضايا صحفيين استقصائيين مثل عمار راضي وسليمان الريسوني الذين جرى، بحسب المؤلفين، تحطيمهم عبر اتهامات أخلاقية مفبركة.

 فالأسلوب، كما يصفه أياد وبوبان، بات ممنهجًا: بدل صناعة "سجناء سياسيين" تقليديين، يجري تصنيع "مجرمين جنسيين" بهدف القضاء على أي رغبة في المعارضة الإعلامية، وعزلهم عن الدعم الدولي.

 ويشير الكتاب إلى أن الصحافة المستقلة، التي كانت نابضة بالحياة مطلع الألفية، تعرضت لعملية "قطع رأس" كاملة، واستبدلت بما يسميه "صحافة التشهير" التابعة لأجهزة الاستخبارات، والمكلفة بتتبع الحياة الخاصة للمعارضين لإسكاتهم.

 وخصص التحقيق صفحات مؤثرة لزلزال الحوز في سبتمبر 2023. ففي الوقت الذي كانت فيه جبال الأطلس تنهار مخلفة آلاف القتلى، كان الملك في باريس، بعيدًا عن معاناة شعبه.

 ويصف المؤلفان حالة الشلل التي أصابت الدولة، العاجزة عن إطلاق عمليات الإغاثة الدولية أو حتى التواصل الرسمي دون "إشارة" من الملك الغائب.

 وقد اعتُبر هذا الصمت، الذي استمر أيامًا، ذروة الانفصال بين السلطة والشعب. ودبلوماسيا، تحدث الكتاب على أن التطبيع مع الكيان الصهيوني رغم تقديمه كنصر استراتيجي، وضع المغرب في عزلة إقليمية خطيرة، خاصة في ظل القطيعة مع الجزائر.

 وصوّر التحقيق ملكًا يستخدم ورقة الهجرة أو برامج التجسس مثل "بيغاسوس" كأدوات نفوذ، ما بدأ يثير قلق حلفائه أنفسهم.

وتطرق الكتاب أيضا إلى الخلافة، ويطرح سؤالًا قاسيًا: أي بلد سيُترك لهذا الملك المستقبلي؟ فخلف الصورة المثالية للأمير المتدرب، يرسم المؤلفان قصرًا ممزقًا بالصراعات بين الأجنحة، واصفين الانتقال الذي لم يبدأ بعد "بأنه قنبلة موقوتة، في وقت أصبحت فيه صحة الملك محمد السادس محل تكهنات واسعة.

 وعند إغلاق صفحات "رواية ملك"، يبقى الشعور السائد هو الإحساس بضياع فرصة تاريخية، فقد كان بإمكان محمد السادس أن يحول المغرب إلى ملكية برلمانية حديثة ونموذجية، لكنه اختار، بحسب الكتاب، أن يجعل من عهده مرحلة عنوانها الغياب والافتراس الاقتصادي، يضيف المصدر نفسه.

 ويعتبر تحقيق كريستوف أياد وفريديريك بوبان بمثابة شهادة وفاة لحلم مغربي كان قائمًا يومًا ما. فالكتاب، الذي نفدت نسخه سريعًا في باريس، وأصبح يتداول سرًا بصيغة رقمية داخل المغرب، يعكس عطشًا متزايدًا للحقيقة لم يعد القصر قادرًا على احتوائه، يختم التقرير.