اقتصاد

لهذه الأسباب تراجعت صادرات فرنسا نحو الجزائر

تشهد العلاقات بين البلدين مرحلة من التوتر، لم تعد تداعياتها مقتصرة على الملفات الدبلوماسية والهجرة، بل امتدت إلى النشاط التجاري.

  • 1375
  • 2:55 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تراجعت قيمة الصادرات الفرنسية نحو الجزائر خلال عام 2025 بنحو 600 مليون يورو، بعدما انخفضت من 4.8 مليارات يورو سنة 2024 إلى نحو 4.2 مليارات يورو، وفق مقارنة للأرقام المنشورة من جانب وزارة الخارجية الفرنسية.
ويعيد هذا التراجع تسليط الضوء على حجم المصالح التجارية والاقتصادية المرتبطة بالعلاقات الجزائرية-الفرنسية، في وقت تشهد العلاقات بين البلدين مرحلة من التوتر، لم تعد تداعياتها مقتصرة على الملفات الدبلوماسية والهجرة، بل امتدت إلى النشاط التجاري وحركة المبادلات الاقتصادية.

وحسب أستاذ الاقتصاد عثمان عثامنية، فإن فرنسا كانت إلى وقت قريب الشريك التجاري الأول للجزائر وشهدت المبادلات التجارية بين البلدين تطورا مستمرا، موضحا أن الصادرات الفرنسية نحو الجزائر ارتفعت خلال سنة 2024 بنسبة 6.6 بالمائة، لتصل إلى 4.8 مليارات يورو، من أصل 11.1 مليار يورو تمثل إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال السنة نفسها.

ولفت أستاذ الاقتصاد، في تحليل لـ"الخبر"، إلى أن اللافت في التراجع المسجل هذه المرة هو شموله مختلف المنتجات الفرنسية الموجهة إلى السوق الجزائرية، حيث قال إن الأمر يختلف عن الصادرات الجزائرية نحو فرنسا، التي تشكل المحروقات، على رأسها النفط والغاز، جزءا كبيرا منها، وهي منتجات تتأثر قيمتها بتقلبات الأسعار العالمية، ما يجعل ارتفاع قيمة الصادرات أو انخفاضها لا يعكس بالضرورة تغيرا مماثلا في الكميات.

أما بالنسبة للصادرات الفرنسية، فإن التراجع، حسب عثامنية، شمل منتجات مرتبطة بتصنيع السيارات والآلات والمواد الكيميائية، فضلا عن المنتجات الصيدلانية والمواد الغذائية، لذلك يعتقد أن هذا التراجع قد يعكس، من بين عوامل أخرى، حالة من عدم الثقة واللايقين لدى المتعاملين الاقتصاديين، في ظل الوضع السياسي الذي يطبع العلاقات بين البلدين.

وعن مدى ارتباط هذا التراجع ببرودة العلاقات السياسية بين الجزائر وباريس، يؤكد عثامنية أن العامل السياسي يؤدي دورا مهما في تحديد مناخ المبادلات الاقتصادية، ويشير إلى أن العلاقات الجزائرية-الفرنسية شهدت مرحلة من التأزم امتدت من جويلية 2024 إلى فيفري 2026، معتبرا أن عودة العلاقات إلى مستوياتها السابقة قد تحتاج إلى وقت.

وأضاف المتحدث أن مقارنة الأرقام التجارية بالفترة التي شهدت جمودا سياسيا بين البلدين تظهر تزامنا بين تراجع الصادرات الفرنسية وتوتر العلاقات الثنائية، فقد ذكر أن الاستقرار السياسي ووضوح السياسات يمثلان عنصرين مهمين بالنسبة للمتعاملين الاقتصاديين والمستثمرين، إذ كلما ارتفع مستوى اليقين بشأن توجهات البلدين توسعت فرص تطوير العلاقات التجارية والاستثمارية.

ولا يحصر عثامنية أسباب تراجع الصادرات الفرنسية في العامل السياسي، إذ يرى أن استراتيجية الجزائر لتنويع شركائها التجاريين تمثل عاملا آخر ينبغي أخذه بعين الاعتبار، مشيرا إلى أنّ الجزائر تسعى إلى فتح آفاق جديدة للشراكة والعمل المشترك والبحث عن شركاء قادرين على المساهمة في نقل التكنولوجيا وتوطينها، إلى جانب الاستثمار المباشر.

وفي هذا السياق، يرى المتحدث أن فرنسا لم تعد، وفق تقييمه، شريكا ينسجم بشكل كامل مع هذا التوجه، وتأتي سياسة تنويع الشركاء في إطار توجه اقتصادي يرمي إلى تقليل الاعتماد على عدد محدود من الأسواق وفتح المجال أمام علاقات اقتصادية أوسع مع دول وشركاء مختلفين.

ويذكر الخبير الاقتصادي، إلى جانب العاملين السياسي والتجاري، عاملا ثالثا يتمثل في تطور الإنتاج المحلي الجزائري في عدد من القطاعات، واستدل بقطاع الصناعات الصيدلانية، الذي شهد ارتفاعا في مستويات الإنتاج المحلي، ما يسمح بتغطية جزء أكبر من احتياجات السوق الوطنية بالمنتجات المصنعة محليا.

واعبتر عثامنية أن دعم الإنتاج الوطني وتقليص الاعتماد على الواردات يندرجان ضمن استراتيجية تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل خارج قطاع المحروقات، وبالتالي فإن انخفاض واردات بعض المنتجات التي أصبح الإنتاج المحلي منها أكبر يمكن أن يفسر جانبا من تراجع الصادرات الفرنسية.

كما ربط الخبير جزءا من التراجع بالإجراءات التي اعتمدتها وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، من بينها برنامج الاستيراد التقديري، الذي يفرض على المستوردين الجزائريين تقديم طلبات تقديرية بشأن احتياجاتهم من الاستيراد، في إشارة إلى الرسوم والإجراءات الإضافية ذات الصلة بحماية الإنتاج الوطني، معتبرا أن هذه التدابير يمكن أن تؤثر في حجم الواردات، وبالتالي في صادرات بعض الشركاء التجاريين.