مر عام كامل على الحفل الذي نظمه مجمع "مادار" في فندق الشيراتون للإعلان عن مجسم مشروع "لالماسية"، القطب الرياضي الذي كان يفترض أن يصبح مركز تكوين وتدريب نادي شباب بلوزداد بجسر قسنطينة، لكن لا شيء تحقق على أرض الواقع.
يومها تحدث الرئيس المدير العام السابق لمادار، شرف الدين عمارة، عن ما وصفه في كلمته "مشروع استثنائي يجسد رؤية الفريق للمستقبل ، مشروع للالماسية، المركز الرياضي والطبي المتكامل لشباب بلوزداد" مع الالتزام باطلاق المشروع في الأيام التي تلي الإعلان، غير أن كل هذا بقي حبرا على ورق، ولم تتحرك الأشغال قيد أنملة، ما يطرح تساؤلات جدية حول حقيقة توجهات الشركة المالكة للنادي.
وتؤكد مصادر من داخل مادار أن الرئيس المدير العام الحالي، عادل خمان، تخلى فعليا عن المشروع، مفضلا خيارا مختلفا يقوم على إبرام اتفاقية مع ديوان المركب الأولمبي للاستفادة من الاستقبال بملعب نيلسون مانديلا في براقي، مع كراء الفندق والمطعم الموجودين هناك، إضافة إلى حصص تدريبية في الملعب الملحق. أي أن إدارة شباب بلوزداد اختارت الاكتفاء باستغلال منشآت عمومية بدل الاستثمار في بنية تحتية خاصة بالنادي.
والمفارقة أن اتحاد الأبيار، وهو الصاعد الجديد إلى الرابطة المحترفة، تحرك في الاتجاه المعاكس تماما، إذ دخل في اتفاق مع شركة تسيير ضفاف وادي الحراش لاستغلال مركز بن طلحة الذي يضم ثلاثة ملاعب، تمهيدا لتحويله إلى مركز تدريب وتكوين. وبينما يتحرك ناد محدود الإمكانات لبناء قاعدة مستقبلية، يبقى شباب بلوزداد، صاحب أكبر الميزانيات، دون مركز تدريب أو تكوين أو حتى مقر خاص به منذ استحواذ مادار عليه سنة 2018.
وتمنح هذه السياسة الانطباع بأن مادار التي وافقت على تجسيد "لالماسية" في شعار النادي لاغير، لا تعتبر الاستثمار في البنية التحتية أولوية، رغم المصاريف القياسية التي ضختها في صفقات اللاعبين والرواتب. بل إن الاتجاه يسير نحو تضخم أكبر في النفقات، خاصة منذ وصول المدير الرياضي الجديد، جابر نعمون، الذي توصل بعد سنوات من خطاب موجه تغنى فيه بحبه للشباب (لم يكن واضحا حتى وصول مادار لبلوزداد) مقابل راتب 180 مليون سنتيم شهريا، مع شقة في سعيد حمدين وامتيازات مالية أخرى، دون أن يظهر أي توجه لترشيد الإنفاق.
وتجسد صفقة اللاعب يسري بوزوك هذا التوجه بوضوح. فاللاعب البالغ 29 عاما قادم من الدرجة الثانية السعودية وقّع براتب شهري يتجاوز 1,2 مليار سنتيم، مع منحة توقيع تبلغ 12 مليار سنتيم سنويا، وهو رقم صادم بالنظر إلى سن اللاعب وأرقامه ومكانته (ليس لاعبا دوليا). كما أن الصفقة فتحت الباب أمام مطالبات داخلية برفع الرواتب، احتواها نعمون سريعا عبر الاتفاق مع عبد الرحمن مزيان على رفع أجره من 500 إلى 850 مليون سنتيم، بينما ارتفع راتب العوافي إلى حدود 700 مليون.
وفي المقابل، يجد ابن النادي بلال بوكرشاوي نفسه مهمشا، إذ لا يتجاوز راتبه 100 مليون سنتيم، كما أن اتصالاته بالإدارة بقيت دون رد، رغم أنه من أبناء الفريق الذين يفترض أن يشكلوا نواة المشروع الرياضي. والأسوأ أنه أصبح محاصرا فنيا بتكدس لاعبي الوسط، من بينهم المستقدم الجديد، المغترب مهدي بوجمعة الذي يتجاوز راتبه هو الآخر مليار سنتيم شهريا.
ولا يبدو أن نعمون منشغل بمستوى النفقات، فحتى تجربة المدرب راموفيتش لم تدفعه إلى الحذر. إذ تم التعاقد مع طاقم فني تونسي بقيادة نبيل معلول براتب يناهز 50 ألف أورو شهريا، مع مدرب حراس لا يعرف عنه سوى أنه كان (على غرار نعمون) محللا تلفزيونيا ولم يشتغل في أي فريق منذ فترة غير قصيرة، ومع ذلك سيتقاضى تقريبا ضعف راتب مدرب الحراس السابق نسيم أوسرير، الذي عمل لسنوات بإخلاص وساهم في بروز ألكسيس ڤندوز ووصوله إلى المنتخب الوطني الأول، كما كان وراء موسم قوي لفريد شعال الذي حقق 12 مباراة بشباك نظيفة وأصبح حارس المنتخب المحلي.
وتكشف قضية اللاعب باندسي بدورها حجم الارتباك الإداري، بعدما اضطر جابر نعمون إلى الاستعانة بالرئيس السابق مهدي رابحي وطلب تدخله لإيجاد حل لوضعيته الإدارية غير القانونية بسبب بقائه في الجزائر مع فريقه السابق مستقبل الرويسات دون رخصة عمل وبعد انتهاء صلاحية تأشيرته وعجزه بالتالي من دخول أرض الوطن للالتحاق بتدريبات الفريق الذي يسافر اليوم إلى تونس للدخول في تربص مغلق.
ورغم كل ذلك، تواصل الإدارة الاندفاع نحو مزيد من الصفقات، حتى أن المؤشرات تفيد بأنها تتجه إلى استهلاك الجزء الأكبر من ميزانية الموسم المقدرة بـ150 مليار سنتيم قبل نهاية مرحلة الذهاب، متجاهلة تعليمات الاتحاد الجزائري لكرة القدم التي حددت سقف الكتلة السنوية للأجور بـ50 مليار سنتيم، مع اشتراط تبرير أي مبلغ إضافي بعقود رعاية حقيقية.
والمثير أن النادي لم يبرم أي صفقة سبونسور جدية توازي هذا التضخم، كما أن يزيد مولا، الذي كان يتابع هذا الملف، تم إبعاده دون سبب مقنع، ما يزيد من الغموض حول كيفية تمويل هذه الزيادات.
أما فنيا، فإن الأرقام الكبيرة والصفقات الضخمة (على الورق) لا تضمن النجاح، وتجربة فريد الملالي في الموسم الماضي خير دليل. لذلك يبدو أن الهدف الحقيقي من هذه الصفقات هو إرضاء الأنصار بالأسماء اللامعة، لا بناء فريق متوازن أو مشروع طويل المدى.
وفي النهاية، يجد شباب بلوزداد نفسه في وضع غريب: ميزانية ضخمة، رواتب خيالية، صفقات بمليارات، لكن دون مركز تدريب، دون مركز تكوين، ودون مقر خاص بالنادي. وبعد ثماني سنوات من ملكية مادار، وهذا رغم التحذيرات والإشارات القادمة من أعلى هرم السلطة بضرورة الاستثمار في البنية القاعدية والتكوين ومعه ضبط الميزانية والحفاظ على المال العام، والذي تم التأكيد عليه عبر الزيارات المختلفة لمديرية المفتشية العامة للأندية المحترفة ومنها الشباب، ومعه بعض التحفظات التي تم تسجيلها وهي الزيارات التي تؤكد مصادرنا بأنها ستستأنف قريبا.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال