صحة

اللمجة المصنعة.. خطر يتربص بتلاميذ المدارس

تداعيات صحية تبدأ من السمنة.

  • 358
  • 3:45 دقيقة
الصورة: ح.م.
الصورة: ح.م.

يتجدد الحديث مع بداية كل دخول مدرسي عن التغذية المدرسية، ورغم أن جل المؤسسات التربوية تضمن، وبنسبة كبيرة الوجبة الساخنة، إلا أن تلاميذنا وفي مختلف الأطوار لا يفرطون في اللمجة المصنعة، المشكلة أساسا من المقرمشات والعصائر المحلاة والحلويات التي تملا المحافظ والمحيط المدرسي، حيث يحرص الأولياء على منح أبنائهم كل صباح بضعة دنانير "المصروف اليومي" لشراء ما يعرف باللمجة، رغم أن هذا الاستهلاك المفرط  يترتب عنه مجموعة خطيرة من الأمراض وعديد المخاطر الصحية المحتملة. هذه الظاهرة باتت تستدعي التحرك من أجل وضع إستراتيجية شاملة حماية لصحة الناشئة.

دون شك، فإن حماية صحة أطفالنا في المحيط المدرسي وخارجه ليست مسؤولية فردية، بل هي أمانة وطنية ومعركة مجتمعية تتطلب تضافر جهود الجميع من سلطات عمومية، مصالح رقابية، أسر ومجتمع مدني. إن الاستثمار اليوم في التربية الصحية، وتكريس ثقافة الغذاء السليم، والبدائل الطبيعية كالتمور والفواكه، هو الضمانة الحقيقية لبناء جيل واعٍ، معافى وقادر على بناء مستقبل الوطن بثبات واقتدار. ففي ظل التحديات الصحية والمعرفية الراهنة التي تواجه الأجيال الصاعدة، تبرز الحاجة الملحة لتبني رؤية وطنية متكاملة تحمي أطفالنا في الوسط المدرسي وخارجه.

إن تزايد الاعتماد على المنتجات المصنعة يستدعي تضافر الجهود لترسيخ وعي استهلاكي حقيقي، يشارك فيه الفرد، الأسرة، المجتمع ومختلف المؤسسات الرسمية والجمعوية. وهنا وجب التقيد بشعار  تغذية سليمة، عقل سليم ومستقبل آمن لأبنائنا، "معا لنحمي أجيالنا من سموم اللمجات المصنعة ونبني بيئة مدرسية صحية ونظيفة".

والملاحظ، وحسب أخصائي التغذية وجمعيات حماية المستهلك، فإن اللمجة المصنعة تشكل خطورة على التوازن الصحي والسلوكي للتلاميذ،  ناهيك على أنها مصدر للإمراض كزيادة الوزن والسمنة المفرطة، إذ يسهم الاستهلاك المنتظم لأغذية عالية السعرات والملح والدهون في تكريس أنماط غذائية غير صحية ترفع احتمالات زيادة الوزن والسمنة لدى الأطفال منذ سن مبكرة.

و​يرتبط الإفراط في تناول هذه المنتجات بزيادة مخاطر الإصابة بمقاومة الأنسولين في الجسم. كما ​يرفع الإفراط في هذه الأغذية من احتمالات الإصابة بأمراض استقلابية في المستقبل كمرض السكري وأمراض القلب.

وتؤدي الأغذية الغنية بالسكريات البسيطة إلى تقلبات سريعة في مستوى الغلوكوز في الدم، مما ينعكس سلباً على نشاط الطفل وقدرته على التركيز والجلوس لفترات طويلة داخل القسم، مهددا ما يُعرف بـ "الأمن العصبي والتوازن اليومي للطفل المتمدرس".

كما يرتبط الإفراط في استهلاك المواد الحافظة والألوان الاصطناعية، والمضافات الغذائية الموجودة في المنتجات المصنعة بمخاوف حقيقية تتعلق بضعف الانتباه والاضطرابات السلوكية لدى الأطفال.   

"تغير أنماط الحياة وراء الإقبال على اللمجة المصنعة"

أرجع الأستاذ كريبع خذير، خبير في الاستهلاك ونائب رئيس الاتحاد الوطني لحماية المستهلك، استفحال ظاهرة الإفراط في تناول تلاميذ المدارس للمجة المصنعة إلى ما شهدته بنية الأسرة المعاصرة والتغيرات الجذرية التي طرأت على أنماط حياتها اليومية، والتي ألقت بظلالها المباشرة على السلوك الاستهلاكي للأسر، حيث أسهم ضيق الوقت، وخروج الوالدين للعمل، وضغوط الحياة اليومية في تراجع إعداد الوجبات المنزلية التقليدية.

وقد استغل المصنعون والأسواق هذا التحول لطرح وترويج اللمجات المصنعة السريعة الجاهزة، لتصبح بديلا سهلا ومغريا يفضله الأطفال والآباء على حد سواء، متجاهلين ما تشكله هذه العادات الاستهلاكية الجديدة من تهديد خطير ومباشر للصحة العمومية، ومحذرين من تفاقم الأمراض المزمنة المبكرة نتيجة هذا الانزياح التدريجي عن المطبخ التقليدي والمنزلي السليم.

وشدد الأستاذ كريبع خذير على أهمية مراقبة الإنتاج وتقليل المكونات الضارة ​من منظور حماية المستهلك واليقظة الاستهلاكية، إذ لا يقتصر الحل على توجيه المستهلك والأسر وحدها، بل يمتد لفرض رقابة صارمة على المصنعين والمنتجين من الأصل.

وأضاف أن ذلك يتحقق من خلال إلزام المصانع بتقليص نسب السكر، الملح والمواد الدسمة في تركيبة المنتجات الغذائية الموجهة للأطفال والجمهور العريض، والحد من استخدام المواد الكيميائية والأصباغ الضارة والمضافات الاصطناعية في التصنيع الغذائي، علاوة على ​مطالبة المنتجين بإعادة النظر في تركيبة المنتجات، مع تعزيز وضوح بيانات القيم الغذائية والتركيبة على العبوات لتمكين الأسر من اتخاذ قرارات شراء واعية.

وركز المتحدث على ​العودة إلى اللمجة الطبيعية والبدائل الصحية المستدامة، حيث ​تعد الأسرة الحلقة الأساسية في تغيير العادات الغذائية للأطفال، بدءا من تنظيم أوقات النوم والوجبات، وصولا إلى مراقبة المصروف اليومي للتلميذ.

وللحفاظ على صحة الناشئة، يتم التركيز على إحياء البدائل التقليدية والطبيعية، وتوسيع نطاق الاستفادة من فوائدها الجمة والاعتماد على الخبز الأسمر المصنوع من الحبوب الكاملة والتمور والفواكه الموسمية. وتعتبر التمور منجم طاقة طبيعي غني بالسكريات سريعة الامتصاص والمفيدة، الألياف الغذائية، مضادات الأكسدة والمعادن الأساسية (كالبوتاسيوم والمغنيسيوم) التي تدعم التركيز والنشاط الذهني والبدني للطفل طوال اليوم الدراسي، دون إحداث هبوط مفاجئ في الطاقة.

أما ​الفواكه الموسمية فتمثل مصدرا رئيسيا للفيتامينات، الألياف والماء الذي يحافظ على ترطيب جسم التلميذ ويقوي جهازه المناعي، فضلا عن دورها في تحسين الهضم وحمايته من التعب والإرهاق. أما ​الخبز الأسمر والحبوب الكاملة فتضمن إمداد الجسم بالطاقة المستدامة وتمنح شعورا طويلا بالشبع والاتزان.

و من المفيد أيضا ​تشجيع تحضير اللمجة الصحية منزليا، مثل رقائق البطاطا المحضرة منزليا بطريقة أقل اعتمادا على الدهون، والمشروبات الطبيعية بدل المشروبات السكرية الجاهزة، وتدريب الطفل منذ الصغر على قراءة مكونات المنتجات ليكون ​مستهلكا أكثر وعيا بما يشتريه ويتناوله.