ثقافة

رابح سوسة يكتب فصلا جديدا في الفن التشكيلي الجزائري

ما يميز هذا المشروع أنه يتجاوز فكرة النقل التراثي إلى تأسيس منظومة بصرية مستقلة.

  • 83
  • 2:10 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

في رحاب مدينة جانت الساحرة، وعلى وقع نغمات مهرجان سبيبا العريق، أطل الفنان التشكيلي رابح سوسة بمشروعه الطموح "فن نازجر"، حاملا معه ثلاثة وعشرين عملا تشكيليا، شكلت محطة فارقة في مسيرة الإبداع الجزائري. لم يكن المعرض مجرد عرض لوحات، بل كان بيانا فنيا يعلن عن ميلاد رؤية تشكيلية جديدة تستلهم عبقرية الصحراء وتصنع منها لغة معاصرة.

ويختزل سوسة فلسفة مشروعه في كلمات عميقة: "الإنسان الذي نقش على صخور تاسيلي لم ينه رحلته الفنية، بل انقطعت لقرون، ونحن اليوم نستأنف تلك الرحلة بلغة القرن الحادي والعشرين. ففن نازجر ليس محاكاة للنقوش القديمة، بل هو امتداد حي لمسيرة إبداعية بدأت منذ آلاف السنين، يعاد صياغتها برؤية حداثية تنبض بالحياة".

ما يميز هذا المشروع أنه يتجاوز فكرة النقل التراثي إلى تأسيس منظومة بصرية مستقلة، حيث يتحرر الرمز من حمولة المعنى المباشر ليصبح أداة لإثارة الإحساس لا التفسير. ففي لوحات سوسة، لا يبحث المتلقي عن قصة تروى، بل يعيش تجربة بصرية مفتوحة، يجول فيها بين الخطوط الحرة، والإيقاعات اللونية، والاختزال المتعمد، ليكتشف كل مرة قراءة جديدة تختلف باختلاف ذاكرته وحساسيته.

ويقوم فن نازجر على أسس واضحة: التحرر من المحاكاة الواقعية، والاعتماد على الرمز كعنصر جمالي مستقل، وبناء علاقات بصرية تخلق إيقاعا خاصا يعكس روح الصحراء في قوالب تشكيلية معاصرة. وهذا ما جعل الأعمال الثلاثة والعشرين تشكل وحدة عضوية متكاملة، تتداخل فيها إشارات البيئة الصحراوية مع تكوينات تجريدية، لتنتج فضاء بصريا لا يشبه إلا نفسه.

ويؤكد سوسة أن مشروعه يسعى إلى بناء هوية فنية يمكن التعرف إليها من خلال لغتها التشكيلية قبل اسم صاحبها، ما يمنح فن نازجر إمكانية التطور والاستمرار كتيار مستقل له قواعده ومفرداته. فالمشروع لا يقدم أعمالا متشابهة، بل يفتح أفقا للإبداع المتجدد ضمن رؤية جمالية متماسكة.

فلم تكن اللوحات مجرد أعمال فنية معلقة على الجدران، بل كانت شهادة على أن الفن الجزائري قادر على أن يجد لغته الخاصة، المستقلة عن المدارس الوافدة، والمنطلقة من عمق تراثه الحضاري. إنه دعوة للفنانين إلى العودة إلى الجذور، ليس للانكفاء، بل للانطلاق نحو آفاق جديدة، حيث تلتقي روح تاسيلي الخالدة بروح العصر، ويستمر الإنسان في رسم حضارته، كما بدأها أجداده قبل آلاف السنين على صخور الصحراء.

ويعد رابح سوسة من الفنانين الذين انشغلوا خلال السنوات الأخيرة بالبحث في إمكانية تأسيس مشروع فني مستقل، لا يقوم على استنساخ المدارس التشكيلية المعروفة، وإنما على ابتكار رؤية تشكيلية ذات هوية جزائرية. ومن هذا المسار البحثي ولد فن نازجر، بوصفه مشروعا تشكيليا معاصرا يرى نفسه امتدادا لمسيرة فنية عريقة انطلقت من تاسيلي نازجر، حيث ترك الإنسان الذي عاش على أرض الجزائر آلاف الرسوم والرموز على الصخور قبل نحو أربعة آلاف سنة وما قبلها. غير أن المشروع لا يقتصر على استحضار هذا الإرث، بل يسعى إلى استئناف تلك المسيرة بالابتكار والتجديد والإنتاج، عبر بناء رؤية تشكيلية معاصرة تنتمي إلى الحاضر وتتطلع إلى المستقبل.