الوطن

فرنسا تواصل الانحدار

ما لا يريد الفرنسيون تصديقه، هو أن الجزائر تغيرت، وتغيرت معها طريقة إدارة ملفاتها الخارجية.

  • 3130
  • 4:12 دقيقة
مقر السفارة الجزائرية بباريس، الصورة: ح.م.
مقر السفارة الجزائرية بباريس، الصورة: ح.م.

رحم الله الفنان دحمان الحراشي الذي اختزل في رائعته الخالدة "حاسبني وخوذ كراك" فلسفة كاملة في العلاقات الإنسانية، قوامها الوضوح ورفض الابتزاز وإنهاء العلاقات غير المتوازنة. كلمات كتبها الحراشي قبل عقود لتصف حال إنسان أنهكه الاستغلال، لكنها تبدو اليوم، في نظر كثيرين، وكأنها تصف مسارا طويلا من العلاقة بين الجزائر وفرنسا، بعدما بلغت الأزمة بين البلدين مرحلة غير مسبوقة من المكاشفة.

خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت في فرنسا حملة سياسية وإعلامية غير مسبوقة ضد الجزائر، يقودها تيار يميني متشدد جعل من الجزائر مادة دائمة في خطابه الداخلي، مستعملا ملفات الهجرة والاتفاقيات الثنائية والتاريخ المشترك ومساعدات غير موجودة وسيلة للاستقطاب السياسي، في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متلاحقة.

غير أن ما بدا لافتا في هذه المرحلة هو انتقال الجزائر من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، عبر فتح ملفات ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن النقاش العلني، وفي مقدمتها ملف الامتيازات العقارية والاقتصادية التي تتمتع بها فرنسا فوق التراب الوطني منذ عقود.

ولم يعد الحديث يدور حول الشعارات أو المواقف السياسية، وإنما حول الأرقام والوقائع التي تعكس، حسب القراءة الجزائرية، وجود تفاوت كبير في طبيعة المصالح التي حكمت العلاقة بين البلدين منذ الاستقلال. وبينما ظل الخطاب الرسمي الفرنسي يتحدث باستمرار عن "امتيازات" تستفيد منها الجزائر، كشفت المعطيات المتداولة أن باريس ما تزال تستفيد من وضع عقاري استثنائي داخل الجزائر.

وتشير هذه المعطيات الرسمية، إلى أن فرنسا تشغل عشرات العقارات فوق الأراضي الجزائرية مقابل إيجارات رمزية لم تسدد منذ 2023 حتى اليوم، ومن بينها مقر سفارتها بحيدرة الذي يمتد على مساحة تقارب 14 هكتارا، إضافة إلى مقر إقامة السفير الفرنسي في الأبيار بأعالي العاصمة (3 آلاف متر مربع)، وعدد من القنصليات والمراكز التابعة لها، وهي وضعية تعيد إلى الواجهة سؤال المعاملة بالمثل في العلاقات بين الدول.

وتزداد الصورة وضوحا مع ما تردد، في المقابل، عن مطالبة الحكومة الفرنسية البعثة الدبلوماسية الجزائرية بالعاصمة باريس، بتسديد مقابل مالي سنويا وقدره 11300 أورو عن مساحة محدودة جدا تشغلها كشكا حراسة ("غاريطا" !)، وهو ما أعاد إلى الأذهان السؤال القديم: هل ما تزال العلاقات بين البلدين تقوم على مبدأ التوازن، أم أن هناك اختلالا تراكم عبر عقود دون أن يخضع للمراجعة؟

ولعل هذا ما يفسر توقيت إعادة فتح هذا الملف، باعتباره جزءا من مراجعة شاملة لطبيعة العلاقات الثنائية، بعد أن تحولت بعض الاتفاقيات في الخطاب السياسي الفرنسي إلى أدوات للمزايدة الداخلية أكثر من كونها إطارا قانونيا لتنظيم العلاقات بين دولتين مستقلتين.

وفي مقدمة هذه الملفات، يبرز اتفاق 1968 الذي ظل محل سجال متكرر داخل الساحة السياسية الفرنسية. إذ بينما يقدمه بعض المسؤولين الفرنسيين باعتباره امتيازا خالصا للجزائريين، يغيب عن هذا الطرح جانب آخر يتعلق بما قدمته اليد العاملة الجزائرية، على امتداد عقود، للاقتصاد الفرنسي، فضلا عن مساهمة آلاف الكفاءات الجزائرية في مختلف القطاعات الحيوية، وهي مساهمة يصعب فصلها عن مراحل بناء الاقتصاد الفرنسي الحديث.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى اتفاق 1994 المنظم لجوانب واسعة من التعاون الاقتصادي والتجاري، حيث يرى متابعون أن الشركات الفرنسية كانت من أبرز المستفيدين من التسهيلات التي وفرها هذا الإطار القانوني للاستثمار والعمل داخل الجزائر، في مقابل حضور محدود للشركات الجزائرية في السوق الفرنسية، وهو ما يعكس، حسب هذه القراءة، اختلالا في ميزان المصالح.

وفي خضم هذا السجال، برزت أصوات جزائرية كانت قد نبهت منذ سنوات إلى هذا الملف، وفي مقدمتها المجاهد الراحل السعيد عبادو، الذي أثار، منذ أكثر من عقد، مسألة المساحات الشاسعة التي تشغلها السفارة الفرنسية بالعاصمة، متسائلا عن مبررات هذا الوضع مقارنة بسفارات دول كبرى، داعيا إلى استرجاع جزء من تلك الأراضي لفائدة الدولة الجزائرية.

واليوم، وبعد مرور سنوات على تلك التصريحات، عاد النقاش نفسه إلى الواجهة، لكن في سياق مختلف، يتسم بقدر أكبر من الوضوح في طرح الملفات، وبإرادة سياسية معلنة لإعادة تقييم كل أوجه العلاقة الثنائية على أساس مبدأ السيادة الكاملة والمعاملة بالمثل.

ولم يصبح هذا التوجه مقتصرا على الملف العقاري فقط، بل شمل مجمل القضايا التي ظلت لعقود تقدم من زاوية واحدة، بينما تكشف الوقائع أن المصالح كانت، في كثير من الأحيان، تميل لصالح فرنسا، سواء في الجوانب الاقتصادية أو التجارية أو الاستثمارية.

ومن هنا، فإن الرسالة التي تحملها هذه المرحلة تتجاوز مجرد الرد على تصريحات مسؤول أو موقف سياسي عابر، مؤسسة بذلك منطقا جديدا في إدارة العلاقات مع باريس، عنوانه إعادة قراءة التاريخ والاتفاقيات والمصالح بلغة الأرقام، لا بلغة الخطابات الشعبوية التي راجت في السنوات الأخيرة داخل المشهد السياسي الفرنسي.

ما لا يريد الفرنسيون تصديقه، هو أن الجزائر تغيرت، وتغيرت معها طريقة إدارة ملفاتها الخارجية. ولم تعد تقبل، كما تؤكد مواقفها الرسمية المصرح بها من قبل الرئيس عبد المجيد تبون، بأن تخاطب بلغة الإنذارات أو الضغوط أو الابتزاز السياسي، بل بمنطق الندية واحترام السيادة والمصالح المتبادلة.

وربما لهذا السبب، تستعيد كلمات دحمان الحراشي (رحمه الله) راهنيتها وسياقها اليوم.. فـ"حاسبني وخوذ كراك" لم تعد مجرد أغنية شعبية خالدة، بل أصبحت -في نظر كثيرين- تعبيرا رمزيا عن مرحلة جديدة عنوانها كشف الحساب ومراجعة العلاقات على قاعدة بسيطة وواضحة مفادها "لا امتيازات دائمة، ولا مصالح أحادية، ولا علاقة مستمرة" إذا غاب عنها التوازن والاحترام المتبادل.

زبدة الكلام، فرنسا اليوم التي تعجز عن تسديد إيجارات مقر السفارة في حيدرة وإقامة سفيرها في الأبيار، ومقرات أخرى، هي نفسها التي عجزت عن تسديد فاتورة القمح الجزائري، وبدل أن تفعل ذلك اختلقت قضية المروحة لاحتلال الجزائر والانتقام منها في أطول انتقام دام 132 سنة، قبل أن تطرد منها شر طردة. انتهى الخطاب وطوي الكتاب.