مجتمع

خالتي أنيسة تفقد ابنها وهي جائعة في ظلام النهار

تربعت على قصص البؤساء.

  • 954
  • 1:54 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

لم تكن تتوقع أن يتركها صغيرها الكبير "فتحي" على عجل، لأن الجرح كان بسيطًا؛ مسمار لم ينتبه له، داسه برجله، لكنه ترك سمًّا خفيًا، سرى وانتشر في جسمه المتهالك الضعيف، ليصل إلى روحه التي تسكن جنبيه.

بكته بحزن دون دمع، ولسانها يذكره ويطلب الرحمة، وقلبها يتقد نارًا، كواها رحيله. والأيام القادمة، كيف تحيا من دونه؟ وكيف تصبر على فراقه وأنسه؟ وهل تستطيع الطعام والشراب والنوم، في كوخ بابه من دون قفل، وعاليه من دون سقف، وحيطانه من دون طوب؟ أما الحمّام، فحلم ظل يعشش بداخلها. طلبت وترجت أكثر من واحد، بمن فيهم فاعلو "دير الخير والتضامن" و"السالفيهات"، ولكن لا أحد استجاب.

وجه من وجوه وهوية البليدة

خالتي أنيسة سيدة في الثمانين من العمر، عاشت تتنقل في شوارع وأحياء وساحات البليدة، والشفة، وموزاية، والعفرون، وهي تلبس "الحايك" إلى يومنا هذا.. منحنية الظهر، ومنتفخة الساقين، لا تقوى على الحركة، لكنها تقاوم وتفعل ذلك حتى تطعم صغيرها، أو تتابع شكواها ضد لصوص النهار، الذين لا يتحرجون في العبث بأدويتها وأدوية "فتحي" وسرقتها، ويسلبون منها "البيض ودجاجات حمراء" ربّتها وجعلتها مصدرًا لقوتها، حتى فرغ كوخها، ولم يبق لديها شيء، إلا "فتحي". تفكر في إفطاره دون عشائه، وفي يومه دون غده. ظلت على هذه السيرة، بين حي وحومة ومعارف قليلين لديها، وأروقة المحاكم، تدافع عن كوخها وقطعة أرض تقيم فوقها من دون دورة مياه.

لأن يومياتها لم تكن بالحافلة، بل ظلت روتينًا ضيقًا، تحاول أن تحيا وأن يعيش طفلها الكبير، دون سؤال أو تسول.

دورة مياه وسقف وحيطان تحميها من اللصوص

أحلام الخالة أنيسة بسيطة، وليست مثقلة أو باهظة الثمن. فهي تأمل في العيش في سلام، بعيدًا عمن يضايقها. ومرة قالت إنها اجتهدت واتصلت ببعض من لديهم علم وخبرة ودراية في ترميم السكن، لأجل أن يصلحوا ما استطاعوا، لكن جهدها خاب، وأملها سقط. ورغم حياتها المتعبة والمرة، تجدها راضية قنوعة، غير شاكية ولا باكية. تأمل في غرفة بسيطة، تحميها من برد الشتاء وحر الصيف، ولديها باب محكم القفل، ومكان آمن كـ"الخم"، تضع فيه دجاجاتها، لتضع لها بيضًا طازجًا، ويحميها من ثعالب البشر. وحنفية تجري منها مياه عذبة، ولو مرة في الأسبوع، تكمل معها ما بقي لها من العمر الفاني، لأن البصر قصر، والجسم هزل، ولم يعد لديها جهد وقوة على الحركة والسعي، وقريب يزورها، ويرقب حالها، ويطمئن عليها في الليالي وضوء الحال، وسجادة للصلاة ومسبحة، ولن تتخلف عن الدعاء لصغيرها فتحي، بأن ينعم برحمات الكريم الرحمن الرحيم، ويطيب من ثراه، ولن تزيد.