الوطن

"نظرية المؤامرة" تغير موقعها إلى فرنسا !؟

تتهم الجزائر في نشوب احتجاجات شعبها.

  • 1147
  • 2:48 دقيقة
الصورة: ح.م.
الصورة: ح.م.

هل كان يتخيل جزائري أن يأتي عليه يوم تتهم فرنسا بلاده الجزائر بأن لها يدا في خروج الشعب الفرنسي في احتجاجات على النظام السياسي القائم في باريس !؟ إذا كان الجواب بلا.. فإن لذلك أسبابا..

"اليد الخارجية" أو "المؤامرة" مصطلحان لا يؤمن بهما في الجزائر كثير من الناس، في تفسير وشرح السلطة العمومية لبعض الوقائع والأحداث التي تهم الرأي العام، ذلك أن في اعتقاد الجزائري الراسخ أن الدولة لها من الإمكانات ما يجعلها تقضي على المؤامرة قبل وقوعها ! وهذا في بعض الأحيان صحيح ! لكن قد يحدث أيضا ألا يكون صحيحا !.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يعتبر الحداثيون التنويريون الجزائريون قادة السخرية والتهكم على التفسير المؤامراتي لبعض الوقائع، إذ يردون التفسير جملة وتفصيلا حتى ولو كان مشفوعا بالأدلة والبراهين، بل ويتهمون أحيانا السلطة باصطناع الحجج !

اليوم يعيش الجزائريون مشهدا مقلوبا رأسا على عقب ! فقط الكيدورسي والإيليزيه لا يتهمان في فرنسا الجزائر بوقوفها وراء احتجاجات الشعب الفرنسي ضد نظامه السياسي، وماعدا ذلك فإن الإعلام الفرنسي، خاصة اليميني ومن ورائه سياسيون يتقدمهم إيريك زمور وأكاديميون ومحللون كلهم يتهمون الجزائر بأن لها يدا في الاحتجاجات الشعبية الفرنسية ! عند البعض ربما يكون هذا مدعاة للفخر، نغمة اتهام الجزائر بنشر الفوضى بغرض زعزعة النظام في فرنسا ليست وليدة الاحتجاجات، وإنما ارتبطت أساسا بمجيء الرئيس تبون على رأس الجمهورية، إثر التفويض الشعبي بموجب انتخابات ديسمبر 2019 في الجزائر وازدادت اتهامات باريس للجزائر مع العهدة الثانية للرئيس تبون، خاصة مع هبة الجزائريين في فرنسا لتفويضه مرة أخرى للحكم.

ولم تستسغ باريس أن عشرات الآلاف من الجزائريين المقيمين على أراضيها بمن فيهم المولودون من أصول جزائرية يدعمون بالصوت والصورة رئيسهم من ربوع فرنسا.

وقد تناست وسائل الإعلام الفرنسية كل ما قدمه الرئيس تبون للجالية، سواء عموم رعاياها أو لنخبتها منذ توليه الحكم، من تسهيلات في الاستثمار وتخفيضات في تذاكر السفر وبرامج ارتباط للطفولة الجزائرية بالجزائر، ودفاع عن كل مظلوم بالخارج وصولا إلى مجلس للنخبة العلمية بالخارج، التي انتظرت خطوة كهذه منذ استقلال الجزائر، ناهيك عن المواقف الدبلوماسية التي صقلها الرئيس مع مختلف دول العالم ويراها جزائريو العالم بأنها تشرفهم وتمثلهم جدا، كل هذا تناسته وسائل الإعلام الفرنسية لتجد في الاتهامات الباطلة، بدون أدنى دليل تهربا من الشعب الفرنسي وتضليلا له في نفس الوقت، بأن الجزائر وراء جوعه ومآسيه الاجتماعية الأخرى، وهو ما زاد من مأزق النظام الفرنسي، الذي لم يعِ بعد أن التركيبة البشرية التي قررها بقوانينه المشرعنة في برلمان فرنسا جعلت منها بلدا للهجرة من كل العالم، لكن بهدف أن يخدم المهاجرون كمواطنين من درجة ثانية من جهة، وليصلحوا أيضا للاتهامات التي تريد فرنسا أن تكيلها لأي موطن، من أوطان المهاجرين!
ولأن الجزائريين المجنسين وغير المجنسين في فرنسا بدأوا على غير العادة، منذ 2019، بالنظر إلى بلدهم بنظرة أمل، فينبغي الانتقام منهم باتهامهم واتهام سلطات بلدهم بالتآمر ضد فرنسا !

لا تفسير اليوم لهذا الاتهام "شبه الرسمي" للجزائر إلا بالقول إن فرنسا لم تفلس اقتصاديا فحسب، بل سياسيا وإعلاميا كذلك وحتى دبلوماسياً، وانقلب فيها السحر على الساحر وهي التي طالما تآمرت، على مر الرؤساء والحكومات منذ استقلال الجزائر وكانت يدها هي الطولى في كل أزمة ضربت بلادنا، بشراء ذمم المسؤولين وتهريب مقدرات وأموال الشعب عبر خونة الجزائر وانتهت بالدفاع عن جراثيم بشرية وحمايتهم لأنهم يزرعون عبر التواصل الاجتماعي الفتن بالأوامر ضد الجزائر..
لهذا، كان لزاما على الجزائريين حفظ الدرس جيدا، من فرنسا، إحدى الديمقراطيات المزعومة بأنها الأعرق في أوروبا، تفسر احتجاجاً شعبيا داخل ترابها بالمؤامرة الجزائرية، زورا وبهتانا، بينما بعض الناس عندنا يرون الدليل على التآمر رأي العين لكنهم يجحدون فقط لأنه لم ينلهم من الجزائر الريع كما كانوا ينالونه قبل 2019.