هايتيك

باحثة فرنكو - جزائرية ترصد تأثيرا خفيا للذكاء الاصطناعي في الحملة الانتخابية

في حوار لها مع "الخبر".

  • 867
  • 6:27 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

بصفتها مكونة ومؤلفة في مجال الذكاء الاصطناعي واستعمالاته، تكشف الباحثة الفرنكو - جزائرية، وردة براشد بعيليش، عن توظيف خاصيات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الحملة الانتخابية وفي الانتخابات التشريعية الجارية.

وشرحت مؤلفة كتاب "البشر في عصر الذكاء الاصطناعي" في حوار مع "الخبر"، أسرار هذه الاستعمالات مع فرز إيجابياتها وسلبياتها ومخاوفها.

لوحظ من بداية الحملة الانتخابية لجوء العديد من المترشحين إلى استعمال أدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما هو تقييمك لهذا التوجه وهل له آثار على العملية؟

نعم، بلا شك .. الذكاء الاصطناعي يُحدث بالفعل تحولًا عميقا في آليات الحملات الانتخابية وفي جوهرها على عدة أصعدة، لكن من المهم أن نفهم طبيعة هذا التحول وعمقه وحدوده. فهذه التقنيات لا تغيّر فقط خصائص الملصقات والشعارات والنصوص، بل تغيّر أيضًا سرعة إنتاج المحتوى، وحجمه، ودرجة تخصيصه، وحتى أنماط وأنظمة التواصل والتفاعل بين المرشحين ومحيطهم والناخبين.

ففي السابق، كانت الحملة الانتخابية تعتمد أساسًا على فريق عمل، ورسالة سياسية، ومجال جغرافي، واستراتيجية ميدانية. أما اليوم، اختصر الذكاء الاصطناعي العديد من المراحل وسرّع إنتاج المحتوى، وتحليل تطلعات الناخبين، واختبار صيغ متعددة للرسائل، وإنشاء الصور والمواد البصرية، وصياغة الخطب، وتقسيم الجمهور إلى فئات مختلفة، وتحسين فعالية التواصل السياسي.

لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا يتيح الذكاء الاصطناعي؟ وإنما إلى ماذا سيؤول إليه حال العملية عندما تصبح عملية التواصل السياسي خاضعة تماما للتقنية، وأحيانًا يصعب التمييز فيها بين ما هو بشري وما هو آلي؟

 بالنسبة لي، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يثري النقاش العام إذا ساعد على تحسين الشرح، وتسهيل الفهم، وجعل البرامج السياسية أكثر وضوحًا وإتاحة للمواطنين للتفاعل مع البرامج، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تفقير هذا النقاش، إذا حوّل السياسة إلى مجرد هندسة لجذب الانتباه واستقطاب الاهتمام، من دون إحداث تفاعل بشري. ويكمن الخطر في أن يُنظر إلى المواطن لا بوصفه فردًا حرًا يمتلك وعيًا ينبغي تنويره وإقناعه بالحجة، بل باعتباره هدفًا سلوكيًا يُراد التأثير عليه وتوجيهه.

ما هي أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي في الحملة الانتخابية برأيك.. وما هي الآثار متوسطة الأمد لهذه الاستخدامات؟

إنها عديدة بالفعل.. ويتمثل الاستخدام الأول في إنتاج المحتوى: الملصقات، والشعارات، والنصوص الانتخابية، والخطب، والمنشورات الموجهة لشبكات التواصل الاجتماعي، وسيناريوهات الفيديو وتركيبها، والترجمات وتكييف الرسائل بحسب الفئات المستهدفة.

أما الاستخدام الثاني فهو التحليل، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على فهم انشغالات المواطنين، ورصد المواضيع الصاعدة والتي تنسجم مع اتجاهات الجمهور وتحليل التفاعلات على الإنترنت، والتعليقات، ومعرفة الاتجاهات السائدة، وتوقعات سكان منطقة معينة قياسا بغيرها.

ويتمثل الاستخدام الثالث في تخصيص التواصل، فبإمكان الرسالة نفسها أن تُكيَّف مع جماهير مختلفة: الشباب، والنساء، ورواد الأعمال، والطلبة، والفلاحون، وسكان منطقة معينة، أو حتى أفراد الجالية في الخارج.

أما الاستخدام الرابع، فيتعلق بالتنظيم الداخلي للحملة: إعداد الاجتماعات، وتلخيص الوثائق، وهيكلة البرنامج الانتخابي، واستباق الأسئلة المحتملة، وتنسيق الفرق، أو القيام بمتابعة ورصد المحتوى الإعلامي.

وأخيرًا، هناك استخدامات أكثر حساسية، مثل روبوتات المحادثة  (Chatbots)، والوكلاء الحواريين، أو الأدوات المبرمجة الخاصة بالتعبئة والحشد الرقمي.

بودي الإشارة أيضا إلى أن هذه الاستخدامات ليست إشكالية في حد ذاتها، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على جعل الحملة الانتخابية أكثر وضوحًا، وأكثر سهولة في الوصول إلى الجمهور، وأفضل تنظيمًا، لكنه يصبح مثيرًا للقلق عندما يُستخدم لخلق الوهم، أو الإيهام بالقرب الزائف من المواطنين، أو التلاعب، أو نشر المعلومات المضللة.

ما هي حدود الاستفادة من الخدمات التي توفرها هذه التكنولوجيا؟

فيما يتعلق بملصقات الحملة الانتخابية والنصوص السياسية، من الواضح أن العديد من المترشحين لجأوا إلى الذكاء الاصطناعي، بدرجات متفاوتة من الوضوح. وهذا في حد ذاته لا يثير استغرابي، فمن الضروري مواكبة العصر؛ إذ أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم أداة للإبداع والصياغة والارتقاء بمستوى التواصل السياسي. غير أن هذه التكنولوجيا، مثل أي أداة قوية، تتطلب قدرًا كبيرًا من حسن التقدير والتمييز. فبعض الملصقات، عندما تكون مصممة بشكل غير متوازن، أو تبدو مصطنعة أكثر من اللازم، أو خضعت لتعديلات مبالغ فيها، أو تفتقر إلى الانسجام البصري، قد تثير الالتباس والتدليس، وبدلًا من أن تعزز مصداقية المترشح، قد تؤدي إلى زرع الشكوك حول المضمون، وتتحول إلى خرق للأخلاقيات. لذلك فإن الرهان الحقيقي يكمن في أن تكون في خدمة الرسالة السياسية، لا أن تحل محلها. فهي قادرة على الارتقاء بالحملة عندما تضيف إليها الوضوح والجمالية والبعد التوعوي، لكنها قد تضعفها عندما تعطي انطباعًا بأن التواصل السياسي مُصنَّع، ومنفصل عن الواقع، ويفتقر إلى التجسيد الحقيقي. ومن وجهة نظري، فإن الاستخدام السليم للذكاء الاصطناعي في العمل السياسي يقوم على خمسة مبادئ أساسية: الدقة، والأصالة، والاتساق، والشفافية، والمسؤولية.

هل يمكن الاستعانة بوكلاء ذكاء اصطناعي ومبرمجين لتنفيذ مهام محددة في الاتصال أو الدعاية أو التعبئة الانتخابية، وهل يؤثر هذا النموذج الاتصالي بجوهر العملية السياسية؟

نعم، من الناحية التقنية، هذا ممكن بالفعل اليوم، فالوكلاء المعتمدون على الذكاء الاصطناعي قادرون على تحليل الرأي العام، وإنتاج رسائل موجهة لفئات محددة، والرد على المواطنين، وتكييف الخطاب السياسي وفق الجمهور المستهدف، وتعزيز استراتيجية التواصل.

وفي سياق الانتخابات الجزائرية، لا يزال اللجوء إلى هذا النوع المتقدم من الاستخدامات محدودًا وغير ظاهر بشكل واسع. فالاستخدامات المرصودة حاليًا تبدو متركزة أساسًا في إنتاج المحتوى، مثل الملصقات، والنصوص، والشعارات، والمواد البصرية. وهي مرحلة طبيعية تعكس الإدماج التدريجي لهذه الأدوات ضمن المعايير المهنية الحديثة للتواصل السياسي.

وإذا كانت هذه الحدود التقنية تُفسَّر سابقًا بصعوبة التعامل مع اللهجة المحلية (الدارجة) وما تفرضه من تحديات لغوية ودلالية، فإن ظهور نماذج ذكاء اصطناعي سيادية ومتجذرة ثقافيًا، على غرار منصة Nojoom.AI ونموذج AQL-42B، يُظهر أن هذه الحواجز التكنولوجية آخذة في التلاشي.

وهنا بالتحديد يكمن خطّ اليقظة الحقيقي، فالمشكلة تبدأ عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي وسيلة لتنظيم الخطاب السياسي أو توضيحه، بل يتحول إلى أداة لمحاكاة التأييد الشعبي، وصناعة شعور زائف بالقرب من المواطنين، وتوجيه الإدراك العام، أو التشويش على قدرة المواطن على التمييز والحكم المستقل.

ويُعد المثال الأمريكي لسنة 2024 معبّرًا في هذا السياق؛ إذ شهدت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية New Hampshire  مكالمة آلية استخدمت صوتًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي يقلّد صوت   Joe Biden، وحثّت بعض الناخبين على عدم التصويت. ولم يعد الأمر حينها مجرد تواصل سياسي مدعوم بالتكنولوجيا، بل تحول إلى شكل مباشر من أشكال التلاعب باستغلال سلطة ومصداقية شخصية عامة، وهذا بالضبط هو الانزلاق الذي ينبغي استباقه وتجنبه بالنسبة لي.

وعليه، فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يواكب الحملة الانتخابية ويساعدها، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بنية خفية للتأثير على الناخبين. ففي العمل السياسي، لا تكتسب الحداثة قيمتها إلا عندما تكون مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمتطلبات الشفافية، والنزاهة، والمسؤولية الديمقراطية.

 كيف تؤثر استعمالات الذكاء الاصطناعي على السلوك الانتخابي للمواطنين؟

نعم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤثر على عملية التصويت في حد ذاتها، لكنه يفعل ذلك بقدر كبير من الخفاء، من خلال التأثير على أكثر ما هو حميمي في الإنسان: طريقته في إدراك العالم وفهمه. فقدرته الحقيقية لا تكمن في فرض خيار سياسي بشكل مباشر وصريح، بل في إعادة صياغة القصة التي يرويها الإنسان لنفسه عن الواقع من حوله، بصورة هادئة وغير مرئية. فهو لا يفرض شيئًا بالقوة، بل يتسلل إلى مناطق الشك، ويغذي الآمال الكامنة، ويضخم مشاعر الغضب الدفينة، ويؤثر تدريجيًا في البنية التي تتشكل منها الأفكار والأحكام.

لقد تغيرت طبيعة التأثير السياسي في العصر الحديث ولم تعد تقوم على خطاب جماهيري كبير يُلقى في الساحات العامة ويجمع الناس أو يفرقهم أمام الجميع، بل أصبحت تتوزع إلى مليارات الرسائل الفردية الخفية. وبفضل الخوارزميات الدقيقة، يستطيع الذكاء الاصطناعي عزل كل ناخب على حدة، وتقديم محتوى مصمم خصيصًا له، بحيث تصبح كل صورة أو إشاعة أو رسالة عاطفية مهيأة للتفاعل مع مخاوفه أو تطلعاته أو نقاط ضعفه الخاصة. وهنا لا نكون أمام مجرد عملية إقناع سياسية تقليدية، بل أمام محاولة للسيطرة على الانتباه الجماعي والتأثير في الوعي الجمعي، بما قد يحوّل النقاش الديمقراطي العام إلى مجموعة من العوالم الفردية المعزولة، حيث يتلقى كل مواطن نسخة مختلفة من الواقع.

وفي هذا السياق، يتجسد أحد أهم التحديات التي تواجه عصرنا، وهو تحدٍّ يتجاوز الجانب التقني ليمس الكرامة الإنسانية نفسها. فالديمقراطية لا تقوم فقط على الفعل المادي المتمثل في وضع ورقة التصويت داخل الصندوق، بل تعتمد أساسًا على وضوح الرؤية لدى المواطنين وقدرتهم على اتخاذ قرارات واعية.

فالمواطن الحر ليس فقط من يمتلك حق التصويت، بل هو صاحب وعي مستقل يدرك القوى الظاهرة والخفية التي تحاول التأثير في حكمه وتوجيه اختياراته. وعندما تُحجب الحقيقة عنه أو تُشوَّه بعمق، فإن ذلك يعني انتزاع جزء من قدرته على التحكم في مصيره. وأنا على ثقة كبيرة في نضج مواطنينا، الذين أثبت تاريخهم مرارًا قدرتهم على التمييز بين الحقيقة والتضليل عندما تكون القضايا المصيرية على المحك.