اقتصاد

أنبوب الغاز العابر للصحراء يدخل محطة مفصلية

ليس مجرد خط أنابيب لنقل 20 إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً نحو أوروبا، بل هو مشروع هيكلي يعيد تعريف الدور الإفريقي في هندسة الطاقة العالمية.

  • 7584
  • 6:30 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

تترقب أسواق الطاقة العالمية، والأوروبية تحديداً، انعقاد أشغال الاجتماع الوزاري الخامس للجنة التوجيهية لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) بالجزائر العاصمة، والذي سيجمع وزراء المحروقات في الجزائر والنيجر ونيجيريا، في توقيت تتقاطع ضرورة تنويع الإمدادات الأوروبية مع دينامكية جديدة لإحياء المشاريع القارية الكبرى. ويأتي هذا الاجتماع تتويجاً لمسار تسارعت خطواته منذ مطلع 2025، بعد أن نجحت الأطراف الثلاثة في فك الاختناقات السياسية والتمويلية التي ظلت تعطل المشروع لسنوات، لتتحول رؤية الأنبوب العابر للصحراء من حلم جيواستراتيجي إلى ورش مفتوح على التنفيذ.

ويكتسب هذا الاجتماع أهميته من ارتقاب مناقشة نتائج دراسة الجدوى المحيّنة التي أطلقت خلال الاجتماع الوزاري الرابع في فبراير 2025، ورسم خارطة طريق المرحلة التنفيذية، بما في ذلك تمويل الجزء المتبقي من الأنبوب داخل أراضي النيجر والذي يمتد لنحو 1000 كيلومتر، من أصل 4200 كيلومتر هي الطول الإجمالي للخط الذي يربط حقول الغاز في دلتا النيجر بحقول حاسي الرمل ومحطات التصدير الجزائرية على البحر المتوسط.

مشروع نيغال… بنية تحتية قارية تتجاوز حسابات الطاقة

مشروع "نيغال"، كما بات يُعرف اختصاراً لمسار نيجيريا-النيجر-الجزائر، ليس مجرد خط أنابيب لنقل 20 إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً نحو أوروبا، بل هو مشروع هيكلي يعيد تعريف الدور الإفريقي في هندسة الطاقة العالمية. ففي لحظة جيوسياسية يشهد فيها العالم اضطراباً في طرق الإمداد التقليدية، وتنامي المخاطر على الممرات البحرية، يمثل أنبوب الغاز العابر للصحراء ممراً برياً آمناً ومباشراً يربط بين أحد أكبر احتياطيات الغاز العالمية في القارة السمراء وشبكات التوزيع الأوروبية عبر البنية التحتية الجزائرية الممتدة عبر المتوسط.

وتُقدر الطاقة التصديرية للأنبوب بما يضاهي 15% من واردات الاتحاد الأوروبي الحالية من الغاز المسال والمنقول بالأنابيب، ما يجعله رافعة لتحقيق أمن طاقوي أوروبي طويل الأمد، في وقت تتسابق إيطاليا وألمانيا وإسبانيا لتأمين مصادر بديلة ومستقرة للإمداد، بعيداً عن التقلبات الجيوسياسية للقارة العجوز مع الحرب الروسية الأوكرانية.

مسار التطور… من صحوة سياسية إلى هندسة مالية وتقنية

منح الاجتماع الوزاري الرابع، الذي احتضنه المركز الدولي للمؤتمرات "عبد اللطيف رحال" بالجزائر في 11 فبراير 2025، دفعة إستراتيجية غير مسبوقة للمشروع بتوقيع ثلاثة اتفاقات محورية: عقد تحيين دراسة الجدوى بين وزراء الطاقة في الدول الثلاث، عقد التعويض، واتفاقية عدم الإفصاح بين شركات سوناطراك الجزائرية وسونيداب النيجرية والشركة الوطنية النيجيرية للنفط، وشكلت هذه اللحظة تتويجاً لسلسلة من الاجتماعات التقنية والوزارية التي أعادت إحياء فكرة ظلت تراوح مكانها منذ إطلاقها في مطلع الألفية، لتنتقل من مربع النوايا إلى فضاء الالتزامات التعاقدية.

وجاءت زيارة العمل التي قادها وزير الدولة للطاقة والمناجم والطاقات المتجددة آنذاك، محمد عرقاب، إلى العاصمة النيجرية نيامي يومي 26-27 جانفي 2026، لتؤكد أنه إلى جانب الإرادة السياسية، فإنه يجب أن تقترن بآليات تقنية وتمويلية محكمة.

 وخلال هذه الزيارة تم تقييم التقدم في أعمال الدراسة الميدانية للمقطع النيجري من الأنبوب، وإعداد الأرضية للإعلان عن نتائج الدراسة النهائية خلال الاجتماع الوزاري الخامس المرتقب. وقد صرّح عرقاب في أكثر من مناسبة أن "المشروع ليس مجرد بنية تحتية، بل رؤية مشتركة لمستقبل مزدهر، تجسد طموحنا في بناء جسر إستراتيجي بين إفريقيا والعالم"، مؤكداً أن تحيين دراسة الجدوى سيسمح بتحديد السبل والوسائل لتسريع الإنجاز "في إطار زمني معقول وبتكاليف تنافسية".

فعالية اقتصادية مدعومة بالتكامل الإقليمي

تحمل الجدوى الاقتصادية لأنبوب الغاز العابر للصحراء أبعاداً متفوقة على منافسيه الإقليميين، فالمسار الجزائري-النيجري أقصر بحوالي 1400 كيلومتر من الخط البحري-البري الذي تطرحه الرباط عبر أنبوب نيجيريا-المغرب، مما ينعكس مباشرة على كلفة الإنشاء والتشغيل والصيانة. وتشير التقديرات الأولية إلى أن كلفة أنبوب الغاز TSGP تقل بشكل كبير عن كلفة الطريق الأطلسي، والتي تتطلب مساراً بحرياً معقداً في مياه أعماق كبيرة قبل أن يصل إلى السواحل المغربية.

والأهم من الكلفة المباشرة، أن الأنبوب العابر للصحراء يرتكز على فلسفة "التثمين المشترك للموارد"، حيث يضمن لكل دولة عبور حصة من الغاز لتلبية احتياجاتها التنموية، سواء في توليد الكهرباء أو دعم الصناعات التحويلية كالأسمدة والبتروكيماويات.

وبالنسبة للنيجر، يشكل الأنبوب فرصة تاريخية لربط مناطقها الداخلية بشبكات الطاقة، وخلق آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وتحفيز الاستثمار في البنى التحتية اللوجستية.

أما نيجيريا، فستتمكن من تحويل احتياطياتها المهدرة (خاصة الغاز المصاحب الذي يُحرق حالياً) إلى عوائد تصديرية صلبة، بينما تعزز الجزائر موقعها كممر طاقوي إقليمي لا غنى عنه، مستفيدة من شبكات أنابيبها الواصلة إلى أوروبا عبر خطي "ترانسميد" نحو إيطاليا و"ميدغاز" نحو إسبانيا.

ولم تغب المؤسسات المالية التنموية عن المشهد، إذ أبدى البنك الإفريقي للتنمية وبنك سيداو (ECOWAS) استعدادهما لدعم التمويل، مدركين أن أنبوب الغاز العابر للصحراء TSGP ليس مجرد مشروع طاقة، بل أداة اندماج قاري تخدم أهداف منطقة التجارة الحرة الإفريقية (AfCFTA) وتُجسد روح أجندة 2063 للاتحاد الإفريقي.

بُعد الأمن الطاقوي الأوروبي واهتمام استثنائي من روما وبرلين ومدريد

في صميم الاهتمام الأوروبي المتصاعد بأنبوب الغاز العابر للصحراء توجد معادلة أمن الطاقة التي هزتها الحرب الروسية-الأوكرانية، فبعد أن فقدت القارة العجوز أكثر من 130 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً، سارعت إلى إعادة رسم خرائط تزوّدها، فارضة على نفسها تنويعاً شاملاً يشمل الغاز المسال والممرات الجنوبية.

وتنظر إيطاليا، عبر شركة "إيني" وشبكة "سنام" وميناء ميليندونيو، إلى الجزائر كنقطة ارتكاز محورية. ويمثل أنبوب "ترانسميد" الحالي رابطاً حيوياً، وإضافة 20-30 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز النيجيري عبر الأراضي الجزائرية سترفع قدرة التصدير نحو إيطاليا وجنوب ألمانيا (عبر وصلات جديدة مع سويسرا والنمسا) بشكل كبير، في إطار مشروع "ممر الهيدروجين الجنوبي" أيضاً، الذي يمكن أن يستوعب الغاز على المدى الطويل مع تحوله نحو الهيدروجين الأخضر.

أما إسبانيا التي تستقبل الغاز الجزائري عبر أنبوب "ميدغاز" ومحطات الغاز المسال، فترى في TSGP تأميناً إضافياً لإمداداتها، ودعماً لمشروعها كمركز توزيع أوروبي للغاز المسال. في حين تنظر ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، إلى أي تدفقات إضافية من الجنوب كضرورة وجودية لتقليص اعتمادها على الغاز المسال الأمريكي المرتفع التكلفة، ولتغذية قطاعها الصناعي الذي يعاني من ارتفاع تكاليف الطاقة.

التحديات و"حرب المسارات"

لم يخلُ مسار أنبوب الغاز العابر للصحراء من تحديات جيوسياسية وتمويلية وأمنية، ففضلاً عن التحديات الكلاسيكية المرتبطة بتمويل مشروع ضخم في منطقة تعاني من صعوبات تنموية، برز تحدٍّ استراتيجي تمثل في المساعي الفرنسية-المغربية-الإماراتية لتحويل المشروع نحو المسار الأطلسي عبر أنبوب نيجيريا-المغرب، الذي يُسوّق له على أنه مشروع "للتكامل الإقليمي" ويمر عبر 13 دولة غرب إفريقية.

ورغم الدعم الإعلامي والترويجي الذي يحظى به الأنبوب المتجه نحو المغرب، إلا أن العقبات التقنية والمالية تجعله أقل واقعية، فالمسار المقترح يبلغ طوله 5660 كيلومتراً، يمر جزء كبير منه عبر المياه العميقة للمحيط الأطلسي، ويواجه تحديات جيوتقنية هائلة، فضلاً عن كلفته الباهظة التي تتجاوز ضعف تقديراتTSGP.

وتكمن رهانات باريس والرباط وأبوظبي في محاولة تغيير الجغرافيا الاقتصادية للطاقة الإفريقية، وإبعاد الجزائر عن موقعها المحوري كممر طاقوي رئيس، وهو ما يتعارض مع منطق الكلفة-الفائدة الذي تتبناه نيجيريا ودول الساحل.

غير أن الصحوة الدبلوماسية الجزائرية، مدعومة بتحسن الوضع الأمني في شمال النيجر واستقرار المؤسسات في نيامي بعد فترة الاضطراب السياسي في 2023-2024، فضلاً عن استعادة نيجيريا الثقة في المسار الصحراوي المباشر، قلصت من جاذبية البديل المغربي، وجعلت أنبوب الغاز العابر للصحراء TSGP الخيار الأكثر ترجيحاً من الناحية الاستثمارية.

الاجتماع الوزاري الخامس وأجندة طموحة لربط إفريقيا بأوروبا

يُنتظر أن يخرج الاجتماع الوزاري الخامس للجنة التوجيهية بأنبوبة الغاز العابر للصحراء بقرارات تنفيذية تنتقل بالمشروع إلى مرحلة الإعداد للبناء الفعلي. وتشير المصادر إلى أن المحادثات ستتركز حول اعتماد الدراسة الفنية المحيّنة، واعتماد هيكل تمويلي يجمع بين مساهمات الشركات الوطنية وقروض تنموية ميسرة من مؤسسات إقليمية ودولية، إضافة إلى إمكانية فتح رأس المال أمام شركات طاقة أوروبية ترغب في حجز قدرات نقل طويلة الأجل.

ومن بين النقاط الجوهرية التي ستطرح، نموذج تقاسم المخاطر والعوائد بين الدول الثلاث، وآلية تعويض المجتمعات المحلية الواقعة على مسار الأنبوب، وبروتوكولات الأمن المشترك لحماية المنشأة التي تمتد عبر منطقة الساحل، وهو ما تعمل الجزائر على التنسيق فيه مع جيرانها في إطار المقاربة الأمنية التنموية.

ويختزل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، وهو يستعد لدخول مرحلته التنفيذية عبر الاجتماع الوزاري الخامس بالجزائر، تحولاً عميقاً في إستراتيجية الطاقة الإفريقية. فهو من جهة يُثمّن الموارد الغازية الهائلة للقارة عبر تكامل إقليمي غير مسبوق، ومن جهة ثانية يوفر لأوروبا المنهكة من التقلبات الجيوسياسية ممراً آمناً وثابتاً للإمدادات، بينما يرسخ من جهة ثالثة مكانة الجزائر كمحور طاقوي ضامن للاستقرار في الفضاء المتوسطي-الإفريقي.

أمام مساعٍ جيوستراتيجية منافسة تحاول إعادة رسم خرائط الطاقة الإفريقية، يثبت أنبوب الغاز العابر للصحراء أن الجدوى الاقتصادية والانسجام الجغرافي والإرادة السياسية الصادقة قادرة على إحياء مشاريع ظنّ البعض أنها دُفنت، وما الاجتماع الوزاري الخامس إلا تتويج لمسار طويل من العمل الدبلوماسي والتقني، وإعلان بأن القارة السمراء عازمة على كتابة فصلها الخاص في أمن الطاقة العالمي، بشروطها ورؤيتها ومصالحها.