الوطن

"المخزن" يسقط في شر أعماله

من التجسس إلى التشويش على الانتخابات وصولا إلى التخريب.

  • 4164
  • 5:20 دقيقة
الملك المغربي، محمد السادس، الصورة: ح.م.
الملك المغربي، محمد السادس، الصورة: ح.م.

تكشف القضايا الأمنية المتعاقبة التي أعلنت عنها السلطات المختصة، والمتورط فيها رعايا مغاربة، عن تعدد أشكال التهديدات التي تواجه الأمن الوطني والتي تقودها  أجهزة المخزن المغربي، من التجسس والاختراق إلى التخطيط لأعمال تخريبية ومحاولات التأثير على الاستقرار الداخلي والمسار الانتخابي،  وهي  تطورات كشفت عنها مختلف المصالح الأمنية في الفترة الأخيرة  .

أعادت عملية  تفكيك شبكة إجرامية دولية وتوقيف 61 مواطنا مغربيا، مطلع  الشهر الجاري ، في ولاية وهران، هذا الملف إلى الواجهة، بعدما أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني أن المشتبه فيهم كانوا يخططون لتنفيذ أعمال تخريبية تستهدف الأمن والنظام العام في البلاد. ويمثل هذا الملف، بالنظر إلى عدد الموقوفين وطبيعة المخططات المعلنة بشأنهم، محطة لافتة ضمن سلسلة قضايا أمنية خطيرة  كشفتها السلطات خلال السنوات الأخيرة.

وحسب المعطيات التي أوردتها المديرية العامة للأمن الوطني، فإن التحقيقات الأولية كشفت عن تحركات منظمة للمجموعة، التي ضمت عسكريا سابقا في الجيش المغربي، إذ دخل أفرادها الأراضي الجزائرية عبر تونس، قبل عبور مسالك جبلية وغابية بمنطقة القالة في ولاية الطارف، ثم التوجه برا إلى وهران، حيث جرى توقيفهم وإحالتهم على الجهات القضائية المختصة.

كما أسفرت العملية حسبما أعلنته الجهة ذاتها عن حجز جوازات سفر مغربية ومبالغ مالية بالدرهم المغربي والأورو، في وقت تتواصل فيه الإجراءات القضائية لتحديد طبيعة الأدوار المنسوبة إلى الموقوفين  و ارتباطاتهم  بمخطط منظم يستهدف المنشآت الحيوية للجزائر .

التجسس.. ملف يتجاوز التحركات المشبوهة

ولا تنفصل قضية وهران عن ملف آخر أعلن عنه في سبتمبر 2024، عندما كشفت السلطات القضائية في تلمسان عن تفكيك شبكة للتجسس والتخابر بغرض المساس بأمن الدولة، ضمت سبعة أشخاص، من بينهم أربعة رعايا مغاربة، أودعوا الحبس المؤقت بأمر من قاضي التحقيق.

وجاءت القضية في سياق توالي المخططات الإجرامية التي اعتاد نظام المخزن  انتهاجها تجاه الجزائر  ،  حيث كشفت السلطات عن نشاط استخباراتي وتحركات مشبوهة، وهو ما فرض على السلطات العليا في البلاد  بإعادة فرض التأشيرة على حاملي جوازات السفر المغربية، في 26 سبتمبر من السنة نفسها، وهو القرار الذي حصرته الجزائر في  اعتبارات مرتبطة بحماية الأمن الوطني وتشديد الرقابة على الدخول والإقامة في التراب الجزائري.

وكانت السلطات قد أكدت استغلال  المخزن، نظام الإعفاء من التأشيرة لتسهيل أنشطة غير قانونية، من بينها التجسس والاتجار بالمخدرات والبشر والتهريب والهجرة غير الشرعية.

وفي هذا الشأن  تحدث الرئيس عبد المجيد تبون، في تصريحات لاحقة، عن دخول أشخاص بجوازات سفر مغربية للاشتباه في ارتباطهم بأنشطة استخباراتية، مؤكدا أن المسألة تتعلق، باعتبارات أمنية وليست إجراءات لتضييق الخناق عن المغاربة الذين يقصدون الجزائر لممارسة مختلف الأنشطة الحرفية شريطة عدم ارتباطه بأي أجندات عدائية  ترسمها سلطات بلادهم.

وفي تطور آخر، كانت  وزارة الدفاع الوطني، قد أعلنت  في 13 جويلية  2026، تفكيك مجموعة تضم ستة أشخاص في ولاية تيزي وزو، من بينهم أربعة مغاربة   يقيمون في الجزائر بطريقة غير قانونية، و ينشطون في إطار حركة  "الماك"، الإرهابية .

وأفادت الوزارة بأن المجموعة كانت تنشط خلال فترة الانتخابات التشريعية، بهدف عرقلة سير العملية الانتخابية ومنع المواطنين من المشاركة فيها.
وبالنظر إلى تتابع هذه الملفات، من قضية التجسس في تلمسان إلى توقيف عناصر مرتبطين بحركة "الماك" في تيزي وزو، وصولا إلى شبكة وهران، تتضح خطورة التهديدات التي تتعامل معها المصالح الأمنية بكل فروعها ،  تضاف الى حروب الجيل الرابع (أنظمة التجسس على الاتصالات و الهواتف ببرنامج بيغاسوس)، و حرب المخدرات  التي  احترفها نظام المخزن ضد الجزائر .

المحلل السياسي حكيم بوغرارة: "المخزن يطور  تطور أساليب استهداف الجزائر"

أكد المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية حكيم بوغرارة أن الجزائر تواجه، محاولات متعددة لاستهداف أمنها القومي وإضعاف قدراتها، من خلال توظيف المخدرات وشبكات التواصل الاجتماعي والحرائق والاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة، إلى جانب التهديدات الإرهابية ومحاولات عرقلة المشاريع الإقليمية والاقتصادية التي تسعى الجزائر إلى تجسيدها، لا سيما في منطقة الساحل الإفريقي.

وأوضح بوغرارة في تصريح لـ "الخبر" أن الإعلان عن توقيف 61 شخصا يحملون الجنسية المغربية، من بينهم عسكري سابق، للاشتباه في تورطهم في التحضير لأعمال تخريبية تمس بالأمن والنظام العام، يمثل، مؤشرا على تطور أساليب استهداف الجزائر، مشيرا إلى أن هذه القضية تطرح تساؤلات بشأن طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجهها البلاد والوسائل التي قد تلجأ إليها الشبكات الإجرامية لتنفيذ مخططاتها.

وأضاف المتحدث أن فشل بعض المحاولات السابقة، قد يدفع الجهات المعادية للجزائر إلى البحث عن أساليب أخرى، من خلال الاستعانة بمرتزقة ومجرمين وشبكات إجرامية لتنفيذ عمليات تستهدف المنشآت الحيوية والمشاريع الاستراتيجية، بما قد يؤثر على مناخ الاستثمار ويعرقل مساعي البلاد إلى تعزيز مكانتها في مجال الطاقة وتطوير قدراتها الاقتصادية.

وفي هذا السياق، استحضر بوغرارة الهجوم الإرهابي الذي استهدف منشأة تيقنتورين للغاز في جانفي 2013، معتبرا أن حماية المنشآت الحيوية تظل أولوية استراتيجية بالنظر إلى أهميتها في الاقتصاد الوطني ومكانة الجزائر في أسواق الطاقة الدولية.

وفي قراءته للأبعاد الإقليمية والدولية لهذه التهديدات، تحدث بوغرارة عن وجود تقاطعات بين مصالح أطراف إقليمية ودولية يرى أنها لا ترغب في تعزيز مكانة الجزائر وتوسيع نفوذها في إفريقيا، مشيرا إلى فرنسا والكيان الصهيوني والمغرب والإمارات العربية المتحدة، ومتهما هذه الأطراف بالسعي إلى ممارسة ضغوط على الجزائر عبر أدوات سياسية واستخباراتية وإعلامية واقتصادية. وتبقى هذه الاتهامات، في غياب أدلة مستقلة تثبتها، ضمن تقديرات المتحدث وقراءته السياسية للملف.

وربط المحلل السياسي هذه التطورات بما تشهده منطقة الساحل من تحولات أمنية واستراتيجية، معتبرا أن التنافس على النفوذ في المنطقة قد ينعكس على استقرار دولها، خاصة في ظل نشاط الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية العابرة للحدود. كما أشار إلى محاولات توظيف حالة عدم الاستقرار الإقليمي لإبقاء المنطقة في دائرة الأزمات، بما يعرقل جهود التنمية ويحد من قدرة دولها على استثمار مواردها وإمكاناتها الاقتصادية.

ولفت بوغرارة إلى أن الحديث عن تشكيل شبكات من المرتزقة في منطقة الساحل لتنفيذ هجمات تستهدف مناطق حيوية في النيجر ومالي وتشاد وليبيا والجزائر يثير، في حال تأكدت هذه المعطيات، مخاوف بشأن اتساع نطاق التهديدات الأمنية العابرة للحدود، وانعكاساتها على مشاريع التعاون الاقتصادي والتجاري والاندماج الإقليمي التي تسعى دول المنطقة إلى تطويرها.

وأكد المتحدث أن تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين دول المنطقة يمثل ضرورة لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات تهريب الأسلحة والبشر، مشددا على أهمية مقاربة شاملة لا تقتصر على المعالجة الأمنية، بل تشمل أيضا دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتجفيف منابع التجنيد والتطرف.

وفي سياق متصل، أشاد بوغرارة بجهود المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات ومصالح الأمن في التصدي للتهديدات التي تستهدف البلاد، معتبرا أن العمليات الأمنية التي تنجح في تفكيك الشبكات الإجرامية وإحباط مخططاتها تعزز قدرة الدولة على حماية أمنها واستقرارها. وشدد في المقابل على ضرورة التعامل مع تفاصيل القضايا الأمنية وفق ما تكشفه التحقيقات والجهات القضائية المختصة، بما يسمح بتحديد المسؤوليات وإثبات الوقائع.

وختم المحلل السياسي بالتأكيد على أن تعدد أساليب التهديد وتطور الوسائل التكنولوجية المستخدمة في الأنشطة الإجرامية يفرضان رفع مستوى اليقظة وتعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات، إلى جانب إشراك المجتمع في حماية الأمن القومي. وحذر من أن لجوء الجماعات الإجرامية والجهات المسلحة إلى استخدام الطائرات المسيّرة والتقنيات المتطورة، بما فيها التطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، قد يزيد من تعقيد التحديات الأمنية، ما يستدعي تطوير قدرات الرصد والاستباق والاستجابة لحماية المنشآت الحيوية والمصالح الاستراتيجية للبلاد .