الوطن

التشريعيات: المقصون يحجون إلى المحاكم الإدارية الاستئنافية

"الخبر" وقفت على سير عملية "آخر أمل" للترشح.

  • 1133
  • 4:22 دقيقة
ص:ح.م
ص:ح.م

تحولت المحكمة الإدارية الاستئنافية ببن عكنون بالعاصمة، إلى مقصد عشرات المترشحين المقصين، الذين رفضت المحاكم الإدارية طعونهم في قرارات الرفض التي أصدرتها السلطة المستقلة للانتخابات بخصوص التشريعيات المقبلة.

ولجأ هؤلاء إلى الجهة القضائية أملا في قرار قضائي يعيدهم إلى قوائم الترشيحات ويعيد لهم الاعتبار وشهادة حسن السيرة، فلقد تبين من خلال جولة قادت "الخبر" إلى المحكمة، أمس، أن العديد من النواب لا يزالون تحت الصدمة من الطريقة التي اُبعدوا بها من الاستحقاق.

وفي هذه المحطة الأخيرة من السباق نحو قصر زيغود يوسف، يتقاطع البعد القضائي والقانوني والأمني والسياسي والانتخابي مع بعض، وتصبح هوامش الاحتمالات والحسابات ضيقة جدا، بحيث اتجهت كل توقعات المترشحين إلى رفض استئنافاتهم.

وبالدخول إلى مقر المحكمة، الذي يضم أيضا المحكمة التجارية، والواقع بجوار المحكمة العليا، وغير بعيد عن المحكمة الدستورية ومجلس الدولة، أعلى درجة في القضاء الإداري، تراءى لنا من بعيد مترشح "معروف لدى العامة"، مثلما وصفته سلطة الانتخابات ورفضت ملفه.

يقف الوجه التلفزيوني الصاعد الذي لا يتجاوز عمره الثلاثين سنة، عند مدخل المحكمة ببدلة سوداء متأبطا محفظة ويجري مكالمات هاتفية سريعة مع محاميه، وعلامات القلق تعلو محياه وتغزو حديثه.

وعند الاقتراب من المنشط في برنامج ثقافي في قناة خاصة، وسؤاله عن سبب تواجده، قال إنه بصدد إيداع استئناف في حكم المحكمة الذي رفض طعنه في قرار إبعاده الذي أصدرته السلطة المستقلة للانتخابات.

رفض المترشح الظهور بتصريحات علنية خوفا من تأثير ذلك على استئنافه، غير أنه وافق على تقديم معلومات بخصوص وضعيته، معبرا عن استغرابه لما آلت به الأحداث وللتسبيب الذي بررت به السلطة موقفها والمحكمة حكمها في رفضهما ترشحه.

واستعرض الشاب الذي تسببت "شهرته" في وقف طموحه السياسي، الحكم القضائي المستأنف فيه، واتضح من خلال قراءة سريعة لتسبيب القاضي، أنه يتحدث عن مترشح آخر في نفس الولاية، واعتبره مؤشراً على وجود عملية نسخ للأحكام كما هي بالنسبة لكل المترشحين الذين رفضت ملفاتهم بالمادة الأولى من قانون الانتخابات المعدل مؤخرا.

هذا الخطأ الكتابي، في نظر محدثنا، بمثابة دليل على وجود توجه قضائي بمعالجة الملفات على نفس النحو، مادام أن صفات المعنيين بها متشابهة أو متقاربة من حيث الوضعية المهنية، وهي "معروفون لدى العامة واحتمال تأثيرهم على الكتلة الناخبة"، مثلما جاءت في المادة القانونية.

داخل المحكمة الاستئنافية التي كانت سابقا المدرسة العليا للقضاء الشهيرة والمأمولة وسط طلاب الحقوق، تحدث جُلبة غير مألوفة في الجهات القضائية الإدارية والتجارية، المعروفة بالهدوء والجلسات شبه المغلقة وقليلة الحضور. مترشحون مبعدون ومحامون يسيرون في البهو ذهابا وإيابا ينتظرون جلسات موكليهم المترشحين التي كانت تبرمج بشكل فوري وبعد ساعة من إيداع الاستئناف على مستوى الشباك.

وفي هذه المرحلة من التقاضي، يفرض القانون على المتقاضي توكيل محام للدفاع عنه ولا يمكنه أن يدافع عن نفسه بنفسه، وهو الشرط المعروف في المحكمة العليا ومجلس الدولة سابقا، وصار معمما بالمجالس القضائية والمحاكم الإدارية الاستئنافية مؤخرا.

وما لفت الانتباه في فضاء المحكمة الاستئنافية، أن قرارات الإبعاد طالت كلا الصنفين من المترشحين: حديثو العهد بالشأن الانتخابي وأيضا الأسماء التقليدية. غير أن الكثير منهم لم يظهر في أروقة المحكمة بحكم أن المحامي بإمكانه الحضور مكان موكله.

وغير بعيد، يقف نائب من بومرداس، رُفض ترشحه هو الآخر في السلطة وفي المحكمة الإدارية أول درجة، وبدا حائرا ومنشغلا بوضعيته ولجأ إلى المحكمة الاستئنافية لعله يستصدر قرارا قضائيا يعود به إلى السباق البرلماني.

وبالحديث إليه، تبيّن أن البرلماني استطاع في البداية تجنب المادة القانونية التي حظرت "التجوال السياسي" لكونه غيّر انتماءه الحزبي، بالترشح في قائمة حرة، لكنه سقط في شباك المادة 200 من القانون، التي تتحدث عن "الصلة بالمال المشبوه"، وهو الأمر الذي استغربه ويصر على متابعة المسار القضائي إلى آخره لتبرئة نفسه من هذه التهم والتحفظات.

في قاعة الانتظار يجلس أيضا مترشحون غير معروفين جاؤوا أيضا للمبتغى ذاته، وكان القلق والضغط النفسي قد سيطر على نفسياتهم بسبب الرفض الشامل الذي طال العشرات، لكنه يخفّ كلما أدركوا أن الوضع يعمّ على الكثيرين.

وما يجري في المحكمة الإدارية الاستئنافية للعاصمة التي تصب فيها استئنافات المحاكم الإدارية أول درجة المتواجدة في عدة ولايات مجاورة، ينطبق على المحاكم الإدارية الاستئنافية الأخرى، كتلك الواقعة في قسنطينة وتنتمي إليها محاكم ڤالمة والطارف وعدة ولايات قريبة أخرى، إلى حين، ربما، تعميمها على كل الولايات.

وفي القراءة القانونية، ذكر محام، كان بالقرب من المترشحين، أنه دافع عن عدة مترشحين ولم يتمكن من استصدار قرار واحد لصالح موكليه، وكلها اتجهت إلى تأييد الحكم المستأنف القاضي برفض الدعاوى لعدم التأسيس، وهي الدعاوى التي رفعها المترشحون لإلغاء قرارات الإقصاء التي أصدرتها سلطة الانتخابات.

ويغلب وسط المترشحين ومحاميهم القراءة التي تعتقد بأن المعالجة القضائية تتجه في نفس اتجاه المعالجة الإدارية التي قامت بها السلطة المستقلة للانتخابات على أساس تقارير الأجهزة الأمنية، ما جعل الأمل في إصدار قرارات قضائية مخالفة لهذا التوجه "مستبعدا جدا".

وعن إمكانية الطعن بالنقض في القرارات التي تصدرها المحاكم الإدارية الاستئنافية أمام مجلس الدولة، بوصفها الدرجة الثالثة وأعلى هيئة في القضاء الإداري، قال أحد المحامين، الذين كانوا في البهو، خلال تفاعله مع أحد المرشحين المقصين، إن هذا يعد إشكالا عويصا، فبالرغم من أنه يحق للمعنيين إجرائيا الطعن بالنقض في القرارات، إلا أن هذا الطعن لا يوقف تنفيذها، أي رفض ترشحهم.

كما أنه، يضيف القانوني، أن الوقت الذي تستغرقه الدراسة والبت في الطعن بالنقض، قد يتجاوز المهلة والآجال المحددة من قبل السلطة، وربما يتجاوز حتى موعد الانتخابات في حد ذاتها، بما يجعل المسألة غاية في التعقيد والاجتهاد القضائيين، خاصة، يضيف المتحدث، أن القضايا المرفوعة تتعلق بالموضوع وليس بالجانب الاستعجالي.

وداخل هذا التوقع السلبي، ثمة بصيص أمل يختلج في صدور المترشحين المرفوضة ملفاتهم، ومصدره الشعور بالبراءة من التهم المنسوبة إليهم أو وجود خطأ أو وشاية كاذبة قذف بها أحدهم، أو حقد دفين في مكان ما، قاد إلى تصنيفهم سلبا، وقد يتأكد من صحتها القضاء.