الوطن

ليون.. صفعة وجعها في باريس

لا تستغربوا من العجائب والغرائب التي تخرجها القنوات التلفزيونية والصحف الفرنسية بشأن زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، فهي تقوم بذلك بسبب شدة الوجع والألم الذي بداخلها لما أحدثته لها هذه الزيارة.

  • 6590
  • 2:23 دقيقة
الصورة: رئاسة الجمهورية
الصورة: رئاسة الجمهورية

اعتقد الإعلام الفرنسي المرئي والمسموع والمكتوب، على حد سواء، أنه سينجح في تمييع زيارة بابا الفاتيكان التاريخية للجزائر التي اختارها كأول محطة له في جولته الإفريقية، لكن حدث العكس، ظهر الإعلام الفرنسي في مستوى غير مسبوق من "التفاهة"، متشبثا بسرديات قديمة عن الجزائر، يراد التأثير بها على ليون الرابع عشر الذي أعلن أنه "لا يخشى إدارة ترامب ولن أدخل في جدال معه"، فكيف ينظر لـ"نباح" صحافة تحت الطلب، همّها التحامل المجاني.

لا تستغربوا من العجائب والغرائب التي تخرجها القنوات التلفزيونية والصحف الفرنسية بشأن زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر، فهي تقوم بذلك بسبب شدة الوجع والألم الذي بداخلها لما أحدثته لها هذه الزيارة، وهي التي كانت تمني النفس بأنها نجحت في تشويه صورة الجزائر وشيطنتها وجعلها محل نفور لا أحد يقترب منها.

ألم تقل صحيفة "باري ماتش" إن الكنائس "مغلقة" في الجزائر وتمنع فيها العبادات، وتحدثت من جهتها "لوفيغارو" قائلة إنها لا تتمتع بالحرية، وأصاب الجنون قناة "سي نيوز" وهي قائدة الجوق في الحملة الفرنسية اليمينية للتشويش على زيارة ليون الرابع عشر.

لم ينصت البابا لا إلى كبيرهم الذي قال ذات يوم في قصر الإليزي إنه "لم تكن هناك أمة جزائرية قبل 1830"، لأن الكاردينال جون بول فيسكو، رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية بالجزائر، أكد قبله أن "الفرنسيين لا يعرفون تاريخ الجزائر، الأرض التي ترعرع فيها القديس أوغستين"، ولم يستمع إلى أكاذيب التضييق على ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، لأنه يعرف تاريخ وفكر وتصوف الأمير عبد القادر الذي أنقذ حياة آلاف المسيحيين بحكمته وتسامحه وسمو أخلاقه، قبل أن تظهر صحافة بولوري و"زناة التاريخ" من أمثال إيريك زمور وبرنار هنري ليفي ومارين لوبان وروتايو، الذين يعتقدون أنهم ينتجون فكرا ويصنعون الرأي العام ويؤثرون في السياسات.

أكد البابا أمام مقام الشهيد في رسالة مباشرة لا تحتاج إلى تأويل "يحتاج العالم إلى مؤمنين كالشعب الجزائري، رجالا ونساء مؤمنين، متعطشين للعدالة. الجزائر بلد عظيم، ذو تاريخ عريق وتقاليد عريقة"، وهي صفعة قوية يفترض أن يفطن الإعلام الفرنسي بعدها من غيبوبته، ولا يستمر في "تتفيه" نفسه أكثر مما هو عليه، لأنه سقط في مستنقع الدعاية والأكاذيب وفقدان الاستقلالية إلى درجة إصابته بـ "البرانويا" اسمها "الجزائر فوبيا".

أعطى الإعلام الفرنسي المرئي والمكتوب دليلا آخر في تعاطيه مع زيارة بابا الفاتيكان للجزائر، أن باريس فقدت سلاحها الإعلامي الذي كانت تمرر به رسائلها ومصالحها وتمارس به حتى الضغط و"الابتزاز" بواسطته، لأنه لم يعد لا مسموعا ولا مرئيا لدى الجزائريين لا في المقاهي ولا في البيوت ولا في الجلسات الخاصة، بعدما تحول إلى "أسطوانة مشروخة" و"بوق دعائي" عديم القدرة على التأثير وفاقد لكل مصداقية، وهذا ليس مجرد استنتاج بل حقيقة يقرها حتى بعض النخب من الفرنسيين الذين يعترفون بسقوط قاعات تحرير بكاملها في اللامهنية وفي الكيل بمكيالين.

ولذلك لم تتراجع حصة فرنسا من التجارة مع الجزائر بنسبة 14 بالمائة فحسب، جراء علاقتها الدبلوماسية المتدهورة، وهي خسارة يعرف ثقل حجمها رجال أعمال منظمة "الميديف" الفرنسية لمن يريد أن يسمع منهم، لكن الخسارة الأكبر التي ربما لم يحسب لها حساب ساسة باريس هي تراجع نفوذ إعلامها وتأثيره في الجزائر، بعدما كان لعقود جسرها للوصول إلى مبتغى مصالحها.

لمعرفة المزيد حول هذه المواضيع