قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله: تأملتُ جهاد النفس فرأيته أعظم الجهاد، ورأيت خلقا من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه، لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق، وذلك غلط من وجهين:
أحدهما: أنه رب مانع لها شهوة أعطاها بالمنع أوفى منها، مثل أن يمنعها مباحا فيشتهر بمنعه إياها ذلك، فترضى النفس بالمنع لأنها قد استبدلت به المدح.
والوجه الثاني: أننا قد كلفنا حفظها، ومن أسباب حفظها ميلها إلى الأشياء التي تقيمها، فلا بد من إعطائها ما يقيمها، وأكثر ذلك أو كله مما تشتهيه، ونحن كالوكلاء في حفظها؛ لأنها ليست لنا بل هي وديعة عندنا، فمنعها حقوقها على الإطلاق خطر، ثم رب شد أوجب استرخاء، ورب مضيق على نفسه فرت منه فصعب عليه تلافيها.
وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل، يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية، ويذيب في المرارة قليلا من الحلاوة، ولا تحمله شهوته على موافقة غرضها من مطعم ربما جر جوعا، ومن لقمة ربما حرمت لقمات، فكذلك المؤمن العاقل لا يترك لجامها، ولا يهمل مقودها بل يرخي لها في وقت والطول بيده، فما دامت على الجادة لم يضايقها في التضييق عليها، فإذا رآها قد مالت ردها باللطف، فإن أبت فبالعنف، ويحبسها في مقام المداراة.
هذه مجاهدة من حيث العمل، فأما من حيث وعظها وتأنيبها، فينبغي لمن رآها تسكن للخلق، وتتعرض بالدناءة من الأخلاق أن يعرفها تعظيم خالقها لها فيقول: ألست التي قال فيك: خلقتك بيدي، وأسجدت لك ملائكتي، فإن رآها تتكبر، قال لها: هل أنت إلا قطرة من ماء مهين، تقتلك شرقة، وتؤلمك بقة؟ وإن رأى تقصيرها عرفها حق الموالي على العبيد.
وإن مالت إلى الهوى، خوفها عظيم الوزر، ثم يحذرها عاجل العقوبة الحسية، كقوله تعالى: {قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم}، والمعنوية كقوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق}، فهذا جهاد بالقول، وذاك جهاد بالفعل.
* إمام مسجد عمر بن الخطاب - بن غازي - براقي
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال