اسلاميات

إذا أرادك لأمر هيأك له!!

من الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا

  • 147
  • 1:25 دقيقة
الشيخ عبد المالك واضح*
الشيخ عبد المالك واضح*

 قال ابن الجوزي رحمه الله: تفكرت في سبب هداية من يهتدي، وانتباه من يتيقظ من رقاد غفلته، فوجدت السبب الأكبر اختيار الحق عز وجل لذلك الشخص، كما قيل: إذا أرادك لأمر هيأك له، فتارة تقع اليقظة بمجرد فكر يوجبه نظر العقل، فيتلمح الإنسان وجود نفسه، فيعلم أن لها صانعا، وقد طالبه بحقه وشكر نعمته وخوفه عقاب مخالفته، ولا يكون ذلك بسبب ظاهر.

ومن هذا ما جرى لأهل الكهف: {إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض}. وذلك أن كل واحد منهم ألفى في قلبه يقظة، فقال: لا بد لهذا الخلق من خالق.

ومن الناس من يجعل الخالق سبحانه وتعالى لذلك السبب الذي هو الفكر والنظر سببا ظاهرا، إما من موعظة يسمعها أو يراها، فيحرك هذا السبب الظاهر فكرة القلب الباطنة، ثم ينقسم المتيقظون فمنهم من يغلبه هواه ويقتضيه طبعه ما يشتهي مما قد اعتاده، فيعود القهقرى ولا ينفعه ما حصل له من الانتباه، فانتباه مثل هذا زيادة في الحجة عليه، ومنهم من هو واقف في مقام المجاهدة بين صفين: المقل الأمر بالتقوى والهوى المتقاضي بالشهوات.

ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعود وترق، كلما عبروا مقاما إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا، ومنهم من يرقى عن الاحتياج إلى مجاهدة، إما لخسة ما يدعو إليه الطبع عنده ولا وقع له، وإما لشرف مطلوبه فلا يلتفت إلى عائق عنه. واعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالأقدام، وإنما يقطع بالقلوب، والشهوات العاجلة قطاع الطريق والسبيل كالليل المدلهم، غير أن عين الموفق بصر فرس لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء. والصدق في الطلب منار أين وجد يدل على الجادة، وإنما يتعثر من لم يخلص، وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

* إمام مسجد عمر بن الخطاب - بن غازي - براقي