كشف تقرير بحثي بريطاني جديد عن تصاعد مقلق في مستويات العداء تجاه المسلمين في المملكة المتحدة، في وقت أظهرت فيه نتائج الدراسة أن غالبية المسلمين ما زالوا ينظرون إلى بريطانيا باعتبارها بلدا صالحا للعيش وممارسة شعائرهم الدينية، رغم اتساع دائرة التحيز والكراهية.
وجاء التقرير، الذي حمل عنوان “فهم العداء تجاه المسلمين: أسس للتحرك”، ثمرة تعاون بين مؤسستي “صندوق مسلمي بريطانيا”، و«المستقبل البريطاني”، واستند إلى استطلاعين للرأي شَمِلا 1013 مسلما في بريطانيا، إضافة إلى عينة وطنية مكونة من 2000 بالغ من عموم السكان، ونفذتهما مؤسسة “سياسة تحليل الأرقام”، خلال شهر مارس 2026.
أكثر من نصف المسلمين تعرّضوا للتمييز
أظهرت نتائج التقرير أن 56% من المسلمين في بريطانيا تعرضوا لشكل من أشكال التحيز أو التمييز بسبب دينهم خلال الإثني عشر شهرا الماضية.
وتوزعت مظاهر التحيز بين الاعتداءات أو المضايقات في الأماكن العامة، حيث أفاد 27% من المشاركين بتعرضهم لمواقف عدائية في الشوارع أو وسائل النقل العام، فيما قال 19% إنهم واجهوا تمييزا في أماكن العمل أو داخل مؤسسات عامة مثل هيئة الخدمات الصحية البريطانية، بينما أكد 34% تعرضهم لخطاب الكراهية أو التحيز عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وربط التقرير بين هذه المؤشرات وبين تصاعد الشعور بعدم الأمان لدى المسلمين عقب احتجاجات “توحيد المملكة” التي شهدتها البلاد العام الماضي، إذ قال 61% من المستطلعين إنهم أصبحوا أكثر قلقا على سلامتهم الشخصية بعد تلك الاحتجاجات، وترتفع النسبة إلى 69% بين النساء المسلمات.
أقلية تحمل مواقف عدائية وأغلبية ترفضها
وعلى مستوى الرأي العام البريطاني، أظهر التقرير أن نحو شخص واحد من كل ستة أشخاص (17%) يوافق بشدة على أن “تزايد عدد المسلمين يشكل تهديدا أساسيا للثقافة البريطانية”، فيما يرى 19% أن المسلمين المولودين في بريطانيا ليسوا بريطانيين بالقدر نفسه الذي يعد به البريطانيون البيض غير المسلمين.
في المقابل، كشفت الدراسة أن هذه المواقف لا تمثل الأغلبية، إذ يرى 52% من البريطانيين أن المسلمين المولودين في البلاد يتمتعون بالهوية البريطانية ذاتها، بينما يؤكد 63% من المواطنين وجود تحيّز ضد المسلمين، ويؤيد 61% اتخاذ الحكومة إجراءات لمواجهة هذا النوع من الكراهية، مع تأكيد ضرورة الحفاظ على حرية التعبير.
المسلمون أكثر ثقة بالاندماج
ورغم ما كشفته الدراسة من مستويات مرتفعة للتمييز، فإنها رصدت استمرار شعور قوي بالانتماء لدى المسلمين البريطانيين، حيث أكد 69% منهم أن المسلمين المولودين في بريطانيا بريطانيون بالكامل مثل غيرهم من المواطنين.
كما أظهرت النتائج أن 75% من المسلمين، إلى جانب 57% من عموم السكان، يؤمنون بإمكانية التعايش الإيجابي بين المسلمين وغير المسلمين داخل المدن والبلدات البريطانية.
فجوة بين الأجيال
وسجّل التقرير تباينا واضحا بين الأجيال في النظرة إلى المسلمين ودورهم في المجتمع. فالأشخاص الذين تجاوزوا الخامسة والستين (65 سنة) كانوا أكثر ميلا إلى النظر بصورة سلبية إلى مساهمة المسلمين في المجتمع البريطاني، بنسبة بلغت 29%، وهي نسبة تزيد بأربعة أضعاف مقارنة بنظرتهم إلى الأقليات الدينية الأخرى.
في المقابل، أبدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما مواقف أكثر إيجابية، إذ رأى 43% منهم أن المسلمين يقدمون إسهاما إيجابيا للمجتمع، مقابل 16% فقط عبروا عن تقييم سلبي.
الاحتكاك المباشر يقلل الأحكام المسبقة
وأكدت الدراسة وجود علاقة وثيقة بين التواصل الاجتماعي المباشر مع المسلمين ومستوى تقبلهم داخل المجتمع. فثلث البريطانيين تقريبا (36%) أفادوا بأنهم يتواصلون بانتظام مع مسلمين، بينما قال 34% إن لقاءاتهم بالمسلمين نادرة، و14% أكدوا أنهم لا يلتقون بمسلمين مطلقا.
وأشار الباحثون إلى أن ارتفاع مستوى الاحتكاك المباشر يرتبط بزيادة قبول المسلمين وتراجع الصور النمطية والأحكام المسبقة تجاههم.
الإعلام في صدارة المؤسسات المتهمة بالتحيز
وعند تقييم المؤسسات المختلفة، اعتبر المشاركون المسلمون أن وسائل الإعلام هي الجهة الأكثر ممارسة للتمييز ضدهم، إذ رأى 52% أنهم يُعاملون فيها بصورة أسوأ من بقية المواطنين، بواقع 26% قالوا إن المعاملة “أسوأ بكثير”، و26% وصفوها بأنها “أسوأ إلى حد ما”.
دعوات لإستراتيجية وطنية
وقال مدير مؤسسة “المستقبل البريطاني” (بريتيش فيوتشر)، سوندر كاتوالا، إن النتائج “تبعث على القلق الشديد”، محذرا من أن استمرار هذه الاتجاهات قد يؤدي إلى تطبيع الخطاب المعادي للمسلمين داخل المجتمع البريطاني.
من جهتها، وصفت الرئيسة التنفيذية لـ«صندوق مسلمي بريطانيا” (بريتيش مسليم تروست)، عقيلة أحمد، الأرقام بأنها “صادمة وغير مقبولة”، مؤكدة أن المسلمين لا يطالبون بمعاملة خاصة، وإنما بالحق في العيش بأمان وممارسة حياتهم بصورة طبيعية، داعية إلى تبني استراتيجية وطنية أكثر فاعلية لمواجهة الكراهية والتمييز.
ويعد هذا التقرير أول إصدار ضمن سلسلة من الدراسات التي تعتزم المؤسستان نشرها، بهدف تعميق فهم أسباب العداء تجاه المسلمين، وتحليل الصور النمطية السائدة، وصولا إلى تقديم توصيات عملية للحد من هذه الظاهرة وتعزيز التماسك المجتمعي في بريطانيا.
عبد الحكيم قماز
15/07/2026 - 23:51
عبد الحكيم قماز
15/07/2026 - 23:51
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال