ثقافة

الإنتاج التليفزيوني.. أسئلة قديمة تتجدد ولم تتبدد

مع التحضير لمسلسلات رمضان 2027.

  • 798
  • 6:28 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

مع اقتراب شهر رمضان، تعود ماكينة الإنتاج التلفزيوني في الجزائر إلى الدوران، وتبدأ رحلة البحث عن الممثلين والممثلات للمسلسلات التي تراهن على المنافسة واستقطاب الجمهور في الموسم الأكثر استهلاكا للأعمال الدرامية. وبحلول فيفري 2027، سيكون المشاهد أمام إنتاجات جديدة، فيما يكون الفنانون قد خاضوا، منذ أشهر، معركة صامتة من أجل الظفر بدور، أو مجرد فرصة للظهور على الشاشة.

في الظاهر، تبدو الأمور طبيعية. منتجون ومخرجون ينظمون جلسات الكاستينغ لاختيار الوجوه التي تتناسب مع شخصيات السيناريو، وممثلون يتقدمون لاختبار قدراتهم، ووكالات فنية تتولى تمثيل الفنانين وإدارة مساراتهم المهنية والتفاوض بشأن عقودهم. تلك هي القواعد المفترضة لصناعة درامية تحترم نفسها، وتدرك أن جودة العمل تبدأ من حسن الاختيار.

لكن ما يجري خلف الكواليس يطرح أسئلة محرجة عن المعايير التي تحكم هذه العملية، وعن الحدود الفاصلة بين الاختيار المهني وحسابات المصالح الشخصية، وبين الرهان على الموهبة والكفاءة والخضوع لاعتبارات لا علاقة لها بالاستحقاق الفني.

لدى بعض المنتجين، لا يعود السؤال الأساسي هو: من الممثل الأنسب لهذه الشخصية؟ بل يصبح: من يستطيع أن يجلب التمويل؟ ومن يملك العلاقات التي تفتح الأبواب؟ ومن يمكن أن يقدم للمنتج منفعة تتجاوز حدود العمل الفني؟ وهكذا تتراجع متطلبات الشخصية المكتوبة أمام حسابات أخرى، لتصبح الموهبة عنصرا من عناصر الاختيار، لا معيارا حاسما فيه.

وتزداد الصورة قتامة حين يتحول جلب الرعاية إلى شرط غير معلن للحصول على الدور. فالمنتج الذي يبحث عن تمويل عمله ليس مطالبا بالاستغناء عن الرعاية، فهي جزء مشروع من اقتصاد الإنتاج السمعي البصري. لكن الخلل يبدأ حين تصبح قدرة الممثل على جلب المال أهم من قدرته على أداء الشخصية، وحين تتحول المشاركة في العمل إلى صفقة تتقدم فيها المنفعة على الاعتبار الفني.

عندها، لا يعود الأمر متعلقا بمصدر التمويل فحسب، وإنما بموقعه في معادلة الاختيار: هل تخدم الرعاية العمل الفني، أم أصبح العمل الفني وسيلة للحصول عليها؟ وهل يجري اختيار الممثل لأنه الأنسب للدور، أم لأن وراءه ما يجعل التعاقد معه أكثر إغراء؟

في هذه المعادلة، قد يجد ممثل موهوب، راكم سنوات من الخبرة وأثبت قدرته على التشخيص، نفسه خارج الحسابات، فيما يحظى آخر بفرصة لا تعكس بالضرورة مستواه الفني، وإنما ما يستطيع تقديمه من امتيازات للجهة المنتجة. والخاسر هنا ليس الفنان المستبعد وحده، وإنما العمل نفسه، والجمهور الذي لا يضمن له حجم الإنفاق ولا كثرة الأسماء المشاركة جودة ما يشاهده.

ولا تقف الاختلالات عند هذا الحد. فالمحاباة، حين تتدخل في توزيع الأدوار، تقوض مبدأ تكافؤ الفرص، وتجعل العلاقات الشخصية منافسا غير متكافئ للموهبة. كما أن حصر الأدوار في دائرة ضيقة من الأسماء يطرح سؤالا عن فرص الوجوه الجديدة، وعن مصير فنانين أثبتوا جدارتهم، لكنهم لا يمتلكون بالضرورة شبكة العلاقات التي تضمن لهم الحضور.

وليس المطلوب إقصاء الأسماء المعروفة أو التشكيك في استحقاقها، وإنما مساءلة منظومة تسمح بتكرار الأسماء نفسها وتقلص فرص الآخرين، من دون معايير واضحة يستطيع الجميع الاحتكام إليها.

أما الوكالات الفنية، التي يفترض أن تتولى إدارة المسارات المهنية للفنانين والتفاوض بشأن أجورهم وحماية حقوقهم، فإن دورها يستحق بدوره المساءلة. فالوكالة المهنية ليست مجرد وسيط للحصول على الأدوار، ولا قناة لتمرير الأسماء إلى المنتجين، وإنما يفترض أن تكون شريكا يدافع عن الفنان، ويطور مسيرته، ويسعى إلى ضمان شروط تعاقدية عادلة. وحين تغيب الشفافية عن العلاقة بين الوكالة والمنتج والفنان، يصبح من الصعب التمييز بين الوساطة المهنية وتضارب المصالح.

حين تتراجع الموهبة أمام حسابات السوق

ثم تأتي مسألة الأجور لتكشف وجها آخر من اختلال التوازن. فباستثناء عدد محدود من النجوم الذين يملكون قوة تفاوضية تتيح لهم فرض شروطهم، يجد كثير من الممثلين أنفسهم أمام عروض مالية متواضعة لا تعكس بالضرورة خبرتهم ولا حجم الجهد الذي يبذلونه. وبينما تحظى بعض الأسماء بمكانة خاصة في حسابات التسويق، يظل فنانون آخرون يؤدون أدوارا أساسية بأجور زهيدة، في ظل تفاوت لا تحكمه دائما طبيعة الدور أو مدة العمل أو قيمة الأداء.

ليس تفاوت الأجور في حد ذاته دليلا على الظلم، فلكل إنتاج حساباته ولكل دور خصوصيته. لكن المشكلة تبدأ حين يغيب المنطق المهني عن تحديد المقابل المالي، ويصبح الفنان الحلقة الأضعف في علاقة تعاقدية لا يملك فيها ما يكفي من القدرة على التفاوض أو الضمانات التي تحمي حقوقه.

وإذا كانت هذه الاختلالات تتصل بمنطق الاختيار والتمويل والأجور، فإن طريقة تنظيم الكاستينغ نفسها تفتح بابا آخر للمساءلة. هل تخضع الاختبارات لمعايير مهنية واضحة؟ وهل يعرف الممثل طبيعة الشخصية التي سيؤديها وشروط الاختبار والجهة المسؤولة عن القرار؟ أم يتحول الكاستينغ أحيانا إلى إجراء شكلي لإضفاء مظهر مهني على خيارات حُسمت مسبقا؟

ليس المطلوب تحويل اختيار الممثلين إلى مسابقة إدارية معقدة، وإنما ضمان الحد الأدنى من الشفافية والمصداقية، بحيث يستند القرار الفني إلى متطلبات الدور وقدرات الممثل، لا إلى الرغبات الشخصية أو العلاقات أو الحسابات التجارية الضيقة.

وتبرز، في هذا السياق، مفارقة العقود التي تتضمن شرط الحصرية. فقد يجد الممثل نفسه ملزما بتقييد مشاركاته أو الامتناع عن قبول أعمال أخرى، من دون أن يقابل هذا الالتزام ضمان واضح للتشغيل أو تعويض يتناسب مع القيود المفروضة عليه. فالحصرية ليست بندا يفرض لمصلحة طرف واحد، وإنما التزام تعاقدي ينبغي أن يقابله التزام متوازن من الطرف الآخر.

إذا كان المنتج يطلب من الفنان أن يحجز وقته ويرفض فرصا بديلة، فمن حق الفنان أن يعرف حدود الحصرية ومدتها وشروطها، وما يترتب عليها من ضمانات ومقابل مالي. أما أن يطلب منه الالتزام الكامل، بينما يحتفظ الطرف الآخر بحرية التصرف من دون ضمانات مقابلة، فذلك يطرح إشكالا حقيقيا في التوازن التعاقدي.

غير أن أكثر ما يكشف ضعف الثقافة المهنية هو طريقة التعامل مع الممثلين بعد انتهاء الكاستينغ. يحضر الفنان في الموعد المحدد، يستعد للاختبار، يؤدي ما يطلب منه، ثم يغادر إلى انتظار مفتوح. تمر الأيام والأسابيع، وربما يقترب شهر رمضان، من دون أن يعرف إن كان ضمن قائمة المقبولين أم أن اسمه استبعد منذ البداية.

لا رسالة اعتذار، ولا إشعار بالنتيجة، ولا حتى كلمة تحفظ للفنان حقه في معرفة مصير مشاركته. وكأن الوقت الذي خصصه والجهد الذي بذله لا يستحقان الحد الأدنى من الاعتبار.

قد يبدو ذلك تفصيلا صغيرا في نظر المنتج أو المخرج، لكنه يكشف الكثير عن طبيعة العلاقة بين المؤسسة المنتجة والفنان. فالاحتراف لا يقاس بجودة الصورة أو حجم الميزانية أو عدد النجوم المشاركين فحسب، وإنما أيضا بطريقة التعامل مع الأشخاص الذين يصنعون العمل. وإبلاغ الممثل بنتيجة الاختبار، حتى في حالة الرفض، ليس صدقة ولا مجاملة، وإنما سلوك مهني يحترم وقته وكرامته.

والأخطر أن استمرار هذه الممارسات من موسم إلى آخر يجعلها تبدو وكأنها جزء طبيعي من المهنة، فيتعايش معها الفنانون باعتبارها أمرا واقعا، بينما يظل الحديث عن الاحتراف والجودة خطابا لا ينعكس بالضرورة على الممارسة.

لا يمكن للدراما أن تكون احترافية أمام الكاميرا، فيما تدار العلاقات خلفها بمنطق الارتجال والمحسوبية واختلال موازين القوة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا النقد إلى اتهام جماعي للمنتجين والمخرجين والوكالات، فهناك من يحرص على العمل وفق ضوابط مهنية، ويسعى إلى إنجاز مشاريعه في ظروف مالية وإنتاجية صعبة. لكن هذه الصعوبات لا تعفي القطاع من مسؤوليته في إرساء قواعد أكثر وضوحا وعدلا، كما أن الحاجة إلى التمويل لا تبرر التضحية بمعايير الاختيار، ولا يبرر إهدار حقوق الفنانين.

المطلوب ليس إلغاء الكاستينغ أو فرض الوصاية على القرار الفني، وإنما تنظيم العلاقة بين مختلف أطراف الإنتاج، وتعزيز الشفافية في الاختيار والتعاقد والأجور، وتحديد شروط الحصرية بوضوح، واعتماد آلية تواصل تضمن إبلاغ المشاركين بنتائج الكاستينغ. كما تقع على الوكالات الفنية مسؤولية الدفاع عن حقوق الفنانين، وعلى الهيئات المهنية والنقابية دور في بلورة مدونة سلوك تحفظ كرامة المهنة وحقوق العاملين فيها.

ومع اقتراب موسم رمضان 2027، تتجدد الفرصة لطرح كل هذه الأسئلة قبل أن تتحول إلى ضجيج عابر ينتهي بانتهاء الموسم. فالمسألة أوسع من دور لم يحصل عليه ممثل، أو أجر لم يرض عنه فنان، أو كاستينغ لم يحظ بالتنظيم المطلوب. إنها تتعلق بطبيعة الصناعة الدرامية التي نريدها، وبالمكانة التي نمنحها للفنان داخلها.

هل نريد صناعة تلفزيونية تقوم على الموهبة والعمل والتنافس النزيه، أم واقعا يضطر فيه الفنان إلى البحث عن الوساطة والتمويل والعلاقات قبل أن يفكر في الشخصية التي سيؤديها؟

إن قيمة الدراما لا تبدأ عند تشغيل الكاميرا، وإنما قبل ذلك بكثير، عند اختيار من يقف أمامها، وتحديد الشروط التي يعمل في ظلها، والاعتراف بأن الفنان ليس مجرد اسم في قائمة توزيع الأدوار، ولا وسيلة لجلب الأموال، ولا رقما يمكن الاستغناء عنه من دون تفسير.

فحين يصبح الوصول إلى الدور أهم من استحقاقه، وتتقدم الصفقة المتعددة الأوجه على الموهبة، لا تكون الأزمة في الكاستينغ وحده، وإنما في منظومة برمتها تحتاج إلى مراجعة جادة.