أقلام الخبر

تنسيقية المهرجانات..  فكرة متقدمة على واقعها

  • 5
  • 1:51 دقيقة

أعادت الدعوة إلى إنشاء تنسيقية وطنية للمهرجانات الثقافية والفنية في الجزائر إلى الواجهة فكرة تبدو، في ظاهرها، بديهية.. تنظيم هذا العدد المتزايد من التظاهرات، وإيجاد حد أدنى من التنسيق بينها.

فالمشهد الثقافي اليوم يعرف توسعا لافتا في عدد المهرجانات، عبر مختلف المجالات، من المسرح والسينما إلى الموسيقى والتراث والفنون التشكيلية والأدب والفنون الشعبية. ومع هذا التوسع، برزت اختلالات واضحة، من بينها تداخل البرمجة، وضعف تبادل الخبرات، وغياب فضاءات منتظمة للتشاور بين القائمين على هذه التظاهرات.

لكن، رغم ما يوحي به الطرح  في ظاهره ، يبدو أن الإشكال أعمق من مجرد غياب إطار تنسيقي.

في كثير من الحالات، ما تزال بعض المهرجانات تبحث عن هويتها الخاصة، وعن موقعها ضمن الخريطة الثقافية. وهو ما يجعل الحديث عن تنسيق شامل سابقا لمرحلة أساسية، هي مرحلة وضوح الرؤية والتمايز. فالتنسيق لا يمكن أن يعوض غياب الخط الفني، ولا أن يخلق تراكما لم يتشكل بعد.

إلى جانب ذلك، تختلف طبيعة الحقول الفنية بشكل يجعل الجمع بينها ضمن إطار واحد مسألة معقدة. فمهرجانات السينما، على سبيل المثال، تتحرك ضمن منطق إنتاج وتوزيع يختلف عن المسرح أو الموسيقى أو التراث. وهو ما يجعل التنسيق داخل كل قطاع، في هذه المرحلة، أكثر واقعية من محاولة بناء إطار جامع لكل هذه المجالات دفعة واحدة.

كما أن بعض الجوانب المرتبطة بالتنظيم، مثل الرزنامة الوطنية، تظل من صلاحيات الجهات الوصية، ما يفرض توضيح حدود أي دور تنسيقي محتمل، حتى لا يتحول إلى تداخل في المهام أو إلى شكل من أشكال المركزية غير المعلنة.

ولا يمكن تجاهل خطر آخر، يتمثل في انزلاق مثل هذه المبادرات نحو بعد بيروقراطي، حيث تتحول الهياكل إلى فضاءات شكلية، تنتج الاجتماعات والتوصيات أكثر مما تنتج أثرا فعليا على الأرض.

في المقابل، يبقى العنصر الغائب في هذا النقاش هو الجمهور. فالمهرجانات، في جوهرها، ليست مجرد آليات تنظيم، بل فضاءات لقاء وتفاعل، ومناسبة لبناء علاقة حقيقية مع المتلقي. وأي تفكير في تطويرها، دون وضع هذا البعد في الواجهة، يظل ناقاصا.

لذلك، قد يكون من الأجدى، في هذه المرحلة، التركيز على تعزيز هوية كل مهرجان، وتشجيع التنسيق القطاعي، ودعم التكوين وتبادل الخبرات، قبل الانتقال إلى صيغة أكثر شمولا.

في النهاية، لا يبدو أن المشهد الثقافي يعاني من نقص في الأفكار بقدر ما يعاني من استعجال في تحويلها إلى هياكل. فبين الفكرة والتنظيم مسافة اسمها التراكم. وعندما يكتمل هذا التراكم، يصبح التنسيق نتيجة طبيعية… لا مشروعا يُقترح، لكن  واقعا يفرض نفسه.