الوطن

ماكرون.. التاريخ و"مهابل" باريس

هل تيقنت باريس بعد أشهر طويلة من "شيطنة" الجزائر أن القطار مر عليها ولم يتوقف كما كانت تنتظر في محطتها؟

  • 1219
  • 3:09 دقيقة
الرئبس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الصورة: سيلفي كامبون، وكالة "ماكس".
الرئبس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الصورة: سيلفي كامبون، وكالة "ماكس".

الرئيس ماكرون لم يجد جوابا لمشكلته "ماذا نفعل بشأن الجزائر"، حتى لا يحاكمه التاريخ، مرة بتنكره لوجود أمة جزائرية، وقد ذكره بابا الفاتيكان بسقطته المدوية، ومرة بإنهاء عهدته الرئاسية كأول رئيس فرنسي يتسبب في أكبر أزمة سياسية ودبلوماسية مع الجزائر. ولمن يعرف، فهي ليست نتيجة فشل فحسب في حصيلة حاكم الإليزي، بل صيحة ألم صدرت عن رئيس منظمة أرباب العمل الفرنسية "الميديف"، باتريك مارتان، وهو يسجل بأن "دولا أخذت مكان فرنسا في الجزائر وأقصد بها إيطاليا وألمانيا وتركيا".

فهل تيقنت باريس بعد أشهر طويلة من "شيطنة" الجزائر أن القطار مر عليها ولم يتوقف كما كانت تنتظر في محطتها؟ عندما رجع "باترون" الباترونا الفرنسية إلى فرنسا لعرض تقريره عن زيارته للجزائر، كانت منظمة رجال الأعمال الجزائريين بصدد الذهاب إلى قمة الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية، على رأس وفد هام، لبحث فرص الشراكة والتعاون الاقتصادي لتنشيط محور الجزائر واشنطن، في سياق تنويع الشركاء التجاريين والاقتصاديين للجزائر.

هذا الوجع الذي شعر به رئيس منظمة "الميديف" للباترونا الفرنسية، وهو يعي جيدا ما كانت تجنيه باريس من علاقاتها التفضيلية مع الجزائر من مزايا تجارية ومالية، ليس بمقدور سياسيي فرنسا على شاكلة بارديلا وروتايو وسيوتي وخنافو الذين مازالوا يعيشون على سردية فرنسية أكل عليها الدهر وشرب، معتقدين أن الجزائر بحاجة ماسة إلى فرنسا، وكان بإمكانهم طرح السؤال على "شات جي بي تي" ليعطيهم الجواب اليقين، حتى لا تضع صديقة إيريك زمور، سارة خنافو، نفسها في موضع السخرية، وهي تطالب بـ"الطلاق النهائي مع الجزائر"، بعدما فشلت حتى في كسب أصوات بلدية باريس.

عندما يبلغ حجم الشراكة مع تركيا قرابة 10 ملايير دولار ومع الصين ما يزيد عن 15 مليارا، وتصبح إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وروسيا إلى غاية رومانيا وسلوفاكيا وبولونيا شرقا والسعودية ومصر وجنوب إفريقيا والهند جنوبا ضمن الخط الساخن في الحركة التجارية والاقتصادية بين البلدين، ألم يعد الحديث عن الطلاق كمن ضيع محطة القطار ويواصل الركوب عنادا لعله سيعود إليها في محطة النهاية من خلال ما يسميه روتايو "ميزان القوة" في العلاقة مع الجزائر لحملها على الانصياع،  معتقدا أن باريس لا تزال هي من تمنح التأشيرة لمن يريد الذهاب إلى الجزائر؟

لذلك لا يستغرب أنه أمام ارتفاع أسعار البنزين في فرنسا وعدم امتلاك الحكومة الفرنسية أي حلول لها والخزينة فارغة وديونها تعد بآلاف وليس مئات المليارات، يراد تحويل الجزائر إلى "الوقود" البديل لدغدغة الأصوات الانتخابية من اليمين المتطرف والأقدام السوداء والحركى لرفع أسهم من لا حظ لهم في المعركة الرئاسية لخلافة ماكرون.

وزيادة على تهرب عرابي اليمين الفرنسي وأقصى يمينه من مواجهة مطالب الفرنسيين الحقيقية، بالسعي لجعل الجزائر "شأنا داخليا" فرنسيا، يغيب عنهم ولو للحظة معاناة الفرنسيين أمام محطات الوقود، وهو سلوك غير أخلاقي في حق الفرنسيين أنفسهم، لأن طبقتهم السياسية تخدعهم وتخادعهم وتظهر في المقابل أيضا أن الجزائر ستظل عقدة أبدية لدى هذا التيار الذي يعترف في قرارة نفسه بأنه سيخسر كل شيء لأنه لم "يتطهر" من براثن ماضيه الاستعماري ويعيش أحلام اليقظة بإمكانية إعادة حربه في الجزائر.

عندما ترد سويسرا المعروفة بالسر البنكي وإسبانيا على الإنابات القضائية التي أرسلتها الجزائر في سياق سعيها لاسترجاع الأموال المنهوبة في عهد "العصابة" وتمتنع فرنسا عن الرد على 61 إنابة قضائية بشأن نفس الملف، ففي ذلك أكثر من مؤشر على أن عدالة فرنسا قديما وحديثا ليست كما يراد تصويرها بأنها "فوق كل الشبهات"، وإنما تضع باريس نفسها في موضع الاتهام بعرقلة مصالح الجزائر وعدم احترام أدنى التزاماتها للاتفاقيات الثنائية القضائية والأمنية والتجارية.

وعندما يعلن المحامي نبيل بودي المنتمي إلى دفاع جهة باريس أنه "رفع شكوى قضائية ضد ابن نيكولا ساركوزي بتهمة تحريضه في حصة تلفزيونية على حرق السفارة الجزائرية بفرنسا، لكن المحكمة لم تأخذ بها"، فهو مؤشر آخر على اللاعب الدولي زين الدين زيدان الذي صنع مجد فرنسا الكروي ومع ذلك تنكر له رئيس الفدرالية الفرنسية لكرة القدم نوال لوغريت "من يكون زيدان هذا؟"، وهو الذي كاد أن ينسينا في فرنسا الكولونيالية، لكن قائمة "المهابل"، كما قال ماكرون، من أحفادها من أمثال روتايو وسيوتي وبارديلا وخنافو وزمور وغزافيي درينكور وفانسون بولوري موجودون لجعل ذاكرتنا لا يغيب فيها التمسك بالسيادة والاستقلالية والمطالبة بالاعتراف والاعتذار عن جرائمهم طال الزمن أو قصر.