انتقلت الانتخابات التشريعية جويلية 2026 من خانة "موعد دستوري دوري" و"محطة سياسية عابرة" في رزنامة الدولة، إلى خانة "استحقاق" يحمل من الدلالات ما يجعله مفصلا جديدا في مسار إعادة بناء المؤسسات واستكمال هندسة الدولة التي انطلقت مع الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية خلال السنوات الأخيرة. فمنذ أن دُعي الناخبون إلى صناديق الاقتراع، تجاوز النقاش حدود سؤال "من يفوز؟" إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بـ"أي برلمان تحتاجه الجزائر في هذه المرحلة؟".
لقد تغيرت البيئة السياسية والقانونية والمؤسساتية التي تجري فيها هذه الانتخابات مقارنة بالاستحقاقات السابقة. فالدستور، في صيغته الحالية وما تلاه من تعديلات تقنية، أعاد رسم العلاقة بين السلطات ورسخ جملة من الضمانات المتعلقة بنزاهة المسار الانتخابي، بينما جاء القانون العضوي للانتخابات محملا بآليات أكثر دقة في مراقبة التمويل والشفافية والرقابة القضائية، إلى جانب تكامل أدوار السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات والمحكمة الدستورية والقضاء ومجلس المحاسبة والسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد، وهي منظومة مؤسساتية تؤكد أن الرهان هو سلامة الاقتراع وبناء الثقة في العملية الديمقراطية برمتها.
وتكاد تكون الفترة التي سبقت تشريعيات 2026 "استثنائية" من حيث أحاديث الناس ومنشطي الحملة في حد ذاتهم، حيث تركز الحديث على طبيعة "الخريطة السياسية" التي ستفرزها صناديق الاقتراع. فالجزائر تدخل هذه الانتخابات وهي في حاجة إلى برلمان يكون امتدادا لمرحلة سياسية، اقتصادية واجتماعية دقيقة، عنوانها تنويع الاقتصاد واستقطاب الاستثمار وإصلاح الإدارة ومواصلة تحديث المنظومة القانونية وتعزيز الحماية الاجتماعية ومرافقة التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة والعالم.
وفي خضم هذه المعطيات، تحتاج المرحلة المقبلة إلى مؤسسة تشريعية تتحول من فضاء للصراع السياسي التقليدي إلى فضاء لإنتاج التشريع النوعي والرقابة الفاعلة، بما يجعل البرلمان شريكا حقيقيا في تنفيذ الرؤية الاستراتيجية للدولة وليس مجرد هيئة تصادق على النصوص. ولعل أول مؤشرات العمل على أن يكون أعضاء الغرفة السفلى للبرلمان القادم بعيدون عما كان أسلافهم، عمليات الغربلة التي تمت على عدة مستويات، قبل ترسيم الفرسان الذي يتنافسون، بكل شفافية وديمقراطية وروح مسؤولية وبعيدا عن شوائب المال الفاسد والعهد البائد، على الفوز بمقاعد لتمثيل المواطنين والرفع من مستوى النقاش لبلوغ الحديث عن التحديات المطروحة اليوم، من الأمن الغذائي والطاقوي إلى الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ومن إصلاح الجماعات المحلية إلى مراجعة المنظومة الاقتصادية، كلها ملفات تحتاج إلى كفاءات تشريعية قادرة على استشراف المستقبل أكثر من الانشغال بحسابات التموقع السياسي الضيق.
الأكيد أن الخريطة السياسية التي ستنبثق عن هذه الانتخابات لا يجب أن تُقاس بعدد المقاعد التي يحوزها هذا الحزب أو ذاك وإنما بقدرة الأغلبية والمعارضة، على السواء، على إنتاج حياة برلمانية راقية، يكون فيها الاختلاف وسيلة للإثراء لا للتعطيل، وتكون فيها المصلحة الوطنية هي السقف الذي لا يكون حوله اختلاف.
ولعل ما يميز هذه المرحلة أن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، كان واضحا منذ توليه المسؤولية في تحديد فلسفته السياسية تجاه الأحزاب والتيارات الوطنية. فقد أكد في أكثر من مناسبة أنه "رئيس لجميع الجزائريات والجزائريين" وأنه لا يمثل حزبا بعينه ولا تيارا سياسيا دون آخر وإنما يمثل الدولة الجزائرية بكل مكوناتها.
لقد حرص الرئيس تبون، في خطاباته المختلفة، على التأكيد أن معيار التعامل مع الفاعلين السياسيين ليس الانتماء الحزبي وإنما الالتزام بخدمة الجزائر واحترام مؤسساتها ودستورها وثوابتها الوطنية، وهو موقف يعكس تصورا للدولة باعتبارها فضاء جامعا لكل الجزائريين، لا غلبة فيه إلا للمصلحة العليا للوطن، ولذلك فإن الانتخابات التشريعية ليست موعدا لاختيار ممثلي أحزاب فقط وإنما لاختيار "شركاء" في تحمل مسؤولية بناء الجزائر الجديدة، وفق رؤية تقوم على تكامل المؤسسات واحترام الإرادة الشعبية.
الرسالة التي كررها رئيس الجمهورية في أكثر من خطاب، ومفادها أن الجزائر فوق الجميع وأن الدولة لا تُختزل في حزب أو في أغلبية ظرفية، تؤسس لثقافة سياسية مختلفة، تجعل من الانتماء الأول والأخير هو الانتماء إلى الجزائر. فالجزائر، في هذا التصور، ليست "عائلة سياسية ضيقة"، وإنما هي العائلة الجامعة لكل أبنائها، بمختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية، ما داموا يجتمعون على الثوابت الوطنية ووحدة التراب الوطني والسيادة الوطنية والوفاء لرسالة نوفمبر وصيانة الدولة التي رويت أرضها بدماء الشهداء.
وهذا الفهم يضع البرلمان المقبل أمام مسؤولية مضاعفة. فالتشريع هو ممارسة تقنية، صحيح، لكنه أصبح جزءا من معركة بناء الدولة الحديثة وترسيخ الأمن القانوني وتحقيق الجاذبية الاقتصادية وحماية الحقوق والحريات وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته.
من المنتظر أن تحمل العهدة التشريعية المقبلة ملفات ثقيلة، تبدأ باستكمال الإصلاحات الاقتصادية الكبرى ومواصلة مراجعة المنظومة القانونية المرتبطة بالاستثمار والمالية المحلية والرقمنة والحوكمة ولا تنتهي عند تعزيز الرقابة على الأداء الحكومي وترقية الدبلوماسية البرلمانية ومرافقة الخيارات الاستراتيجية للدولة في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.
ولن يكون نجاح البرلمان المقبل رهينا فقط بتركيبته السياسية، بل بمدى قدرته على استيعاب التحولات التي تعرفها الجزائر. فالمواطن اليوم ينتظر نائبا "يصنع" التشريع ويحاسب الحكومة ويدافع عن الانشغالات اليومية ويكون صلة وصل حقيقية بين الدولة والمجتمع، بعيدا عن الممارسات التي أسهمت في فترات سابقة في تراجع صورة المؤسسة التشريعية.
وبين كل هذا، تمثل تشريعيات جويلية 2026، في جوهرها، امتحانا جديدا لنضج التجربة الديمقراطية الجزائرية واختبارا لقدرة المؤسسات على مواصلة مسار الإصلاح بـ"هدوء وثبات"، كما أنها تشكل فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي على أسس أكثر ارتباطا بالكفاءة والبرامج وأقل خضوعا لمنطق "الاصطفافات التقليدية".
قد يكون السؤال الأهم بعد إعلان نتائج تشريعيات 2 جويلية 2026 ليس: "من فاز بالأغلبية؟"، بل: "هل ربحت الجزائر برلمانا يرقى إلى حجم المرحلة؟".. برلمانا يدرك أن اختلاف الانتماءات الحزبية لا يلغي وحدة الانتماء الوطني، وأن أعلى مظلة سياسية يمكن أن يجتمع تحتها الجميع هي الجزائر نفسها؛ الجزائر الواحدة، الموحدة، السيّدة في قرارها، الأمينة على تاريخها، الواثقة في مستقبلها والماضية بثبات نحو بناء دولة قوية بمؤسساتها ومجتمعها وإرادة شعبها.

التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال