العالم

القرصنة الصهيونية وخلفية الإفلات من العقاب

أبعاد استهداف أساطيل كسر الحصار عن غزة من 2008 الى 2026.

  • 124
  • 4:12 دقيقة
الصورة: ح.م
الصورة: ح.م

منذ أن أقدم الكيان على فرض حصار شامل على قطاع غزة عام 2007، برزت أساطيل كسر الحصار كرد فعل شعبي عالمي يحاول اختراق هذا الحصار بحراً، حاملاً مساعدات إنسانية ومتضامنين من مختلف الجنسيات، لكن ما بدأ كمبادرات تضامنية صغيرة، سرعان ما تحول إلى ساحة مواجهة شاملة، استخدم فيها الكيان سياسة ممنهجة توصف بـ "القرصنة الرسمية"، هذه السياسة لم تقتصر على اعتراض السفن في عرض البحر، بل تطورت عقائدياً من "الاحتواء الدفاعي" إلى "الهجوم الاستباقي" في المياه الدولية، مما يكشف عن أبعاد تتجاوز تأمين حصار عسكري، لتصل إلى فرض قواعد اشتباك جديدة وتصفية الحسابات الإقليمية، وتقويض القانون الدولي.

من ردع المتضامنين إلى عقيدة "نقل المعركة للعمق البحري"

تكشف وقائع اعتراض الأساطيل عن تحول في العقيدة العسكرية الصهيونية في المراحل الأولى (2008-2009)، كانت المواجهة قريبة من شواطئ غزة أو في المياه الإقليمية، حيث سمح لسفن مثل "الحرية" و"غزة الحرة" بالوصول، بينما تعرضت أخرى للصدم أو الاقتياد إلى أسدود (تقع على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط)، وكانت نقطة التحول الكبرى مع مجزرة سفينة "مافي مرمرة" في ماي 2010، حيث اقتحمت القوات الصهيونية السفينة في المياه الدولية بعنف مفرط، مما أسفر عن مقتل 10 ناشطين، ورغم أن هذه العملية أشعلت أزمة دبلوماسية لاسيما مع تركيا وأجبر الكيان على تقديم اعتذار رسمي لأنقرة عام 2013، إلا أنها لم تردعها، بل شكلت درساً أعاد الكيان بناء عليه أساليبه.

فبعد عام 2010، تخل الكيان تدريجيا عن الاشتباك العنيف المباشر الذي يخلف ضحايا وفضائح إعلامية، وتبنى استراتيجية "الخنق البيروقراطي والهجومي المبكر"، تجلى ذلك في الاعتراض في المياه الدولية السحيقة وبغطاء وتواطؤ من أطراف إقليمية غربية، و لم تعد بحرية الكيان تنتظر الأساطيل قرب غزة. ففي 2025، استُهدفت سفينة "ضمير" بمسيّرات قرب مالطا، واعتُرضت "مادلين" على بعد 100 ميل بحري، وهو ما تكرر مع "أسطول الصمود العالمي" في 2026 على بعد مئات الكيلومترات قبالة سواحل قبرص وكريت، هذا التحول نقل المعركة بعيداً عن عدسات الإعلام المتركزة على شواطئ غزة وحوّل عملية الاختطاف إلى أمر واقع في أعالي البحار، حيث تقل المساءلة، كما تمثل في التخريب والضغط الاستباقي قبل الإبحار، حيث تطورت "القرصنة" لتشمل عمليات تخريب مباشر كما حدث مع سفينة "قوس غزة" التي فُجّرت في مينائها عام 2014 والضغط السياسي على دول مثل اليونان (2011) لمنع السفن من المغادرة، أو على غينيا بيساو (2024) لسحب علمها من السفن، واعتداءات أسطول الصمود (سبتمبر 2025) في تونس، مما يعطل الأسطول وهو لا يزال راسيا، هذا البعد يهدف إلى تجفيف منابع المبادرة ويجعل من الدول الوسيطة أدوات لفرض الحصار دون أن يتورط الكيان مباشرة في مواجهة بحرية، إلى جانب السجن العائم والاعتقال الجماعي المنظم. ففي عملية "أسطول الصمود" 2026، استخدمت بحرية الكيان سفينة مزودة بسجن عائم لنقل مئات المعتقلين، في مشهد عكس تحول العملية من عملية أمنية محدودة إلى حملة اعتقال جماعي ممنهجة، وهذا الأسلوب الجديد يتجنّب مشاهد الاقتحام الدموي كتلك التي حدثت في "مافي مرمرة"، ويستبدلها بعملية "شرطية-عسكرية" مبرمجة تهدف إلى كسر إرادة المتضامنين عبر الاحتجاز المذل والترحيل.

وتهدف هذه الممارسات إلى تحقيق هدفين رئيسيين، أولا فرض عقيدة "الردع البحري" التي تؤكد أن أي محاولة لكسر الحصار ستُقابل بقوة ساحقة وفي أي مكان، مما يثني المنظمات عن الإبحار مستقبلاً و ثانياً، وأد الحراك قبل أن يتحول إلى "كرة ثلج إعلامية" تكسر حاجز الصمت الدولي المفروض على غزة، خاصة في أوقات تتصدر فيها صراعات إقليمية أخرى، كالحرب على إيران، واجهة المشهد.

الكيان وتصفية حسابات إقليمية وإفشال "دبلوماسية الشعوب"

لا يمكن فهم ضراوة الهجوم على الأساطيل بمعزل عن أبعادها الجيوسياسية، فكل سفينة تنطلق نحو غزة هي تجسيد لفشل المجتمع الدولي في إنهاء الحصار، وهي "دبلوماسية شعوب" تسد الفراغ الذي تركته الحكومات العاجزة، لذا، فإن سياسة القرصنة للكيان تستهدف بشكل أساسي تفكيك هذه الدبلوماسية البديلة وتوجيه رسائل متعددة بداية باستمرار الصراع بوسائل أخرى فمجزرة "مافي مرمرة" مثلت ذروة أزمة، لكن عودة الأساطيل بقوة في 2024-2026 أعادت التوتر إلى الواجهة واختراق السيادة وإذلال الحكومات، فغالبية الأساطيل تنطلق من موانئ أوروبية (اليونان، إيطاليا، إسبانيا) وبمشاركة مئات المواطنين الأوروبيين وبرلمانيين وشخصيات عامة، وعندما يعترض الكيان هذه السفن في المياه الدولية ويعتقل رعايا أوروبيين، ثم يتورط في عمليات تخريب قرب مالطا أو كريت، فإنه يبعث برسالة مزدوجة لأوروبا الرسمية بأنها غير قادرة أو غير راغبة في حماية مواطنيها وسيادتها وللرأي العام الأوروبي بأن التضامن مع غزة ثمنه باهظ وسيواجه بالقمع، هذا يفسر جزئياً الاحتجاجات الدبلوماسية المحدودة التي لا ترقى إلى فعل حقيقي لوقف الانتهاكات، وثالثا الإفلات من العقاب وتفريغ القانون من مضمونه، حيث تمثل معركة الأساطيل حرباً قانونية موازية، إذ تذرّع الكيان بدليل سان ريمو وبتقرير لجنة بالمر (2011) الذي شرعن الحصار مع انتقاده للقوة المفرطة.

في المقابل رفض خبراء أمميون مستقلون الحصار كعقاب جماعي غير قانوني، واعتبروا الاعتراض في المياه الدولية قرصنة وخرقاً لاتفاقية قانون البحار الكيان يبرز "الإفلات من العقاب"، فبعد مجزرة "مافي مرمرة"، ورغم معركة قانونية استمرت سنوات في المحكمة الجنائية الدولية، أغلقت المدعية العامة الملف دون توجيه اتهامات، هذا الأمر شجع الكيان على التمادي، ليصل إلى مرحلة احتجاز ناشطين بتهم "الإرهاب" كما حدث مع الناشطين سيف أبو كشك وتياغو أفيلا في 2026، في محاولة لإضفاء غطاء قانوني زائف على عملية الاختطاف وتجريم العمل الإنساني بحد ذاته كما أن إفشال مسار المساءلة أمام "الجنائية الدولية" كان الضوء الأخضر لتحويل القرصنة إلى سياسة الكيان المعلنة لا يخشى العقاب، وبينما يستمر الكيان في تطوير عقيدته الهجومية في البحر، مستفيدا من حالة الإفلات من العقاب الدولية، تبقى سفن المتضامنين المدنيين شاهداً على صراع غير متكافئ بين "قرصنة الكيان" و"ضمير الإنسانية".