إن العواصف والزعازع التي تهبّ على المسلمين، والنكبات والمصائب المتوالية عليهم في أكثر من بلاد، وبأكثر من صورة، تدمي القلب وتدمع العين، وتحزن النفس، ويفرح لها العدو ويبكي لها الصديق، لا شك في هذا، فلهذا يذوب القلب من كمد، إن كان في القلب إسلام وإيمان، بل إن كان القلب قلب إنسان! لكن هكذا هي الدنيا إن ساءنا زمن فقد سرّتنا أزمان، وستسرّنا أزمان! لكن من المهم أن يكون واضحا لدينا أن الله قد جعل الدنيا دار ابتلاء، فلا تصفو من أكدار ولا تخلو عن اختبار! وليس فيها مصلحة إلا وهي مشوبة ببعض المفاسد، وليس فيها مفسدة إلا وهي مصحوبة بمصالح!، سُنّة الله الحاكمة وحكمته البالغة.
ومن أظهر المصالح التي تنتج عن الابتلاءات الكبيرة نعمة التمييز: تمييز الصف، وتمييز الرجال، وتمييز الفكر، وتمييز المواقف، وتمييز الصادقين... وقد قال شاعر:
كنت أذم صرف الدهر حتى
عرفت به عدوي من صديقي وقال آخر:
جزى الله الشدائد كل خيرٍ عرفت بها عدوي من صديقي
وأحسب أننا في زمن اختلط صالحه بطالحه، ونابله بحابله، وتشوّش الناس، وفقدوا الثقة في من المفروض أن يكونوا أهل ثقة، كالحكام والعلماء والإعلام، فكان من مصلحة الناس هذه المواقف الحرجة التي تبرز معادن الناس، وتبين حقائقهم، حتى يتميز الصادق من المنافق، والبائع من الناصح، وحتى تتميز الطريق أمام الناس فيسلكونها مطمئنين عارفين بالنهاية والمآل.
وتجلية لهذه الحقيقة العظيمة يقول رب العزة سبحانه تعليقا على أحداث غزوة أحد وما نتج عنها: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم}، “والمعنى: ليس من شأن الله تعالى، ولا من حكمته وسنّته في خلقه أن يترككم أيها المؤمنون على ما أنتم عليه من الالتباس واختلاط المنافقين بكم، بل الذي من شأنه وسنّته أن يبتليكم ويمتحنكم بألوان من المصائب والشدائد حتى يتميز المؤمنون من المنافقين، وينفصل الأخيار عن الأشرار”، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: “أي: لا بدّ أن يعقد سببا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه. يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر. يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلم، وهتك به ستر المنافقين، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلم”، “فحكمة الله قضت أن يجعل هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار للناس، يذوق فيها بعضهم بأس بعض، وفى هذا الاحتكاك الواقع بينهم، تظهر أحوالهم وتنكشف أمورهم، وتعرف معادنهم، ولولا ذلك لكانوا شيئا واحدا.. لا مؤمن ولا كافر، ولا طيب ولا خبيث، ولا محسن ولا مسيء”، يقول سيّد رحمه الله: “تقتضي [حكمة الله البالغة] أن يصهر الصف ليخرج منه الخبث. وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة. وأن تسلط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر. ومن ثم كان شأن الله سبحانه أن يميز الخبيث من الطيب ولم يكن شأنه أن يذر المؤمنين على ما كانوا عليه قبل هذه الرجة العظيمة!”.
ولهذا لما حدثت تلك الفتنة الكبيرة والرجة العظيمة في المدينة، لما تجرأ المنافقون على الجناب الرفيع لعرض النبي صلّى الله عليه وسلم، وسقط بعض المؤمنين ضحايا تآمرهم، وتأخر الوحي شهرا كاملا، وكانت فتنة شديدة بئيسة، قال الله عز شأنه في مفتتح كلامه على هذه الفتنة العمياء: {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم...}، وأنه لتعليق رباني عظيم عجيب!، هذه الفتنة والمصيبة، وقبل أي كلمة عنها يقول فيها سبحانه: {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل}، تربية وتوجيها لنا، قال الشيخ سيّد طنطاوي رحمه الله: “أي، لا تظنّوا - أيها المؤمنون - أن حديث الإفك هذا هو شر لكم، بل هو خير لكم؛ لأنه كشف عن قوي الإيمان من ضعيفه. كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما يضمرونه من سوء للنبي صلّى الله عليه وسلم ولأهل بيته، وللمؤمنين، كما أنكم قد نِلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى”.
ومما ذكره العلماء من الخير الناتج عن هذه الواقعة، ما أجمله الشيخ الطاهر بن عاشور في قوله: “.. أن فيه منافع كثيرة إذ يميز به المؤمنون الخلص من المنافقين، وتشرع لهم بسببه أحكام تردع أهل الفسق عن فسقهم، وتتبين منه براءة فضلائهم، ويزداد المنافقون غيظا ويصبحون محقرين مذمومين، ولا يفرحون بظنهم حزن المسلمين، فإنهم لما اختلقوا هذا الخبر ما أرادوا إلا أذى المسلمين، وتجيء منه معجزات بنزول هذه الآيات بالإنباء بالغيب... وفوائد دينية وآداب لا تخفى على متأملها”.
وهكذا المصائب التي تعيشها الأمة سيتبعها خير، وسينتج عنها خير، وإن فيها لخيرا، وإن كنا عن غيبه لمحجوبون.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة
الخبر
01/07/2026 - 23:34
الخبر
01/07/2026 - 23:34
التعليقات
شارك تسجيل الدخول
الخروج
التعليقات مغلقة لهذا المقال