اقتصاد

فرصة ذهبية جديدة للجزائر في السوق الطاقوي الأوروبي

في تقرير صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

  • 1619
  • 3:43 دقيقة
الصورة: م.ح
الصورة: م.ح

في خضم فك الاتحاد الأوروبي التبعية للغاز الروسي، برزت الجزائر كأحد أهم الشركاء الاستراتيجيين لأوروبا الذين يحوزون على فرص عديدة، ليس فقط باعتبارها مورداً تقليدياً للغاز الطبيعي، وإنما أيضاً كفاعل محتمل في مشاريع الطاقة النظيفة التي تراهن عليها القارة الأوروبية خلال العقود المقبلة.

هذه التوقعات جاءت ضمن تقرير صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، نهاية الأسبوع، بعنوان Electric collective: Europe’s clean energy future without Russia، الذي كشف أن التكتل الأوروبي نجح بين عامي 2021 و2026 في خفض اعتماده على الطاقة الروسية بشكل كبير، عبر تنويع مصادر الإمداد وإبرام اتفاقيات جديدة مع عدد من الشركاء الدوليين، من بينهم الجزائر التي كانت من أوائل الدول التي توجهت إليها بروكسل لتعويض جزء من الإمدادات الروسية.

وخلال السنوات الأربع الماضية، عززت الجزائر موقعها كمورد رئيسي للغاز نحو جنوب أوروبا، خاصة عبر خطوط الأنابيب التي تربطها بإيطاليا وإسبانيا، مستفيدة من بنيتها التحتية القائمة وقربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية.

غير أن أهمية الجزائر بالنسبة لأوروبا، وفق معد الوثيقة، لم تعد تقتصر على الغاز الطبيعي فقط، وإنما شغلت حيزا في التفكير الأوروبي نحو استيراد الكهرباء النظيفة وربط شبكات الطاقة عبر البحر المتوسط، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز أمن الطاقة على المدى الطويل.

وبرر صاحب النص مقاربته بامتلاك الجزائر مؤهلات تجعلها مرشحة للعب دور محوري في هذا المسار، بالنظر إلى الإمكانات الهائلة للطاقة الشمسية في الصحراء الجزائرية، فضلاً عن مشاريع الهيدروجين الأخضر التي بدأت تستقطب اهتماماً أوروبياً متنامياً.

لكن التحول الأوروبي يطرح في الوقت نفسه تحديات أمام الجزائر، في تحليل المصدر نفسه، فبينما يشكل الغاز الطبيعي اليوم أحد أبرز عناصر القوة في العلاقة مع أوروبا، فإن الرؤية الأوروبية طويلة المدى تقوم على تقليص استهلاك الوقود الأحفوري تدريجياً لصالح الكهرباء المتجددة والهيدروجين الأخضر.

ولذلك تبدو الجزائر "مطالبة باستغلال العائدات الحالية من صادرات الغاز لتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة والبنية التحتية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر".

وتتجه أوروبا إلى هذه المسار لعدم ارتباطها مجددا بالغاز الأحفوري مع مصدرين جدد مثلما جرى مع روسيا بوصفه خطأ استراتيجيا في تقييم التقرير.

ونجح الاتحاد الأوروبي بين 2021 و2026 في تقليص اعتماده على الطاقة الروسية بصورة حادة وخفض حصة الغاز الروسي في واردات الاتحاد الأوروبي من نحو 45 بالمائة إلى قرابة 12 بالمائة، وتراجعت حصة النفط الروسي من نحو 26 بالمائة إلى حوالي 2 بالمائة، بينما جرى التخلص من واردات الفحم الروسي بسبب العقوبات.

كما انخفضت واردات الغاز الروسي من قرابة 160 مليار متر مكعب سنويًا في 2021 إلى 37 مليار متر مكعب في 2025، بعدما كانت تمثل حوالي 40 بالمائة من إجمالي الطلب الأوروبي على الغاز في 2021، بحسب أرقام التقرير.

ورغم ذلك، أكدت الدراسة أن الوقود الأحفوري ما يزال يغطي قرابة 60 بالمائة من الطلب على الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي، وأن اعتماد أوروبا على واردات النفط يبلغ 90 بالمئة، وعلى واردات الغاز 85 بالمئة.

ويعني ذلك في نظر الباحث، أن أوروبا خرجت من التبعية الروسية، لكنها لم تخرج بعد من التبعية الطاقوية الخارجية، بل أعادت توزيعها على موردين آخرين وأسواق عالمية أكثر تقلبًا.

وبالنسبة للجزائر، يفتح هذا التناقض نافذة استراتيجية؛ فكلما اكتشفت أوروبا أن استبدال مورد غاز بآخر لا يبني أمنا طاقويا مستداما، زادت أهمية الشركاء القادرين على الانتقال من الغاز إلى حزمة أوسع تشمل الكهرباء النظيفة والهيدروجين والمواد الخام.

والجزائر مؤهلة للدخول في هذا المسار إذا نجحت في تحويل موقعها الطاقوي إلى منصة إقليمية للطاقة منخفضة الكربون، بدل الاكتفاء بدور المورّد التقليدي للغاز.

ومع ذلك، يشدد التقرير على أن واردات الكهرباء النظيفة لن تكون كافية وحدها لقلب معادلة الطاقة الأوروبية. فحتى إذا اكتملت كل الروابط المخطط لها مع دول خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها قد توفر فقط بين عشرات التيراواط/ساعة وعدة عشرات من التيراواط/ساعة سنويًا بحلول ثلاثينيات القرن الحالي، بينما يتجاوز استهلاك الكهرباء في الاتحاد الأوروبي اليوم 2700 تيراواط/ساعة سنويًا، وقد يصل إلى 3500 أو 4000 تيراواط/ساعة بحلول 2030-2040 مع كهربة النقل والتدفئة والصناعة.

وبذلك، لن تتجاوز الواردات في السيناريو الأقصى 1 إلى 3 بالمئة من الطلب الأوروبي. وتولي الدراسة أهمية خاصة للمواد الخام الحرجة والعناصر الأرضية النادرة، باعتبارها ضرورية لإنتاج البطاريات، الألواح الشمسية، توربينات الرياح وشبكات الكهرباء.

وتتقاطع القراءة الأوروبية مع التحولات الجزائرية الداخلية التي تتجسد في مشاريع منجمية كبرى في الحديد والفوسفات والزنك والرصاص، وتسعى إلى تطوير إطارها القانوني المنجمي وجعل القطاع جزءًا من التنويع الاقتصادي.

وانتقدت الدراسة أيضًا الطابع الفردي المفرط لدبلوماسية الطاقة الأوروبية. فقد كانت الاتفاقيات التي أبرمتها الدول الأعضاء منفردة وضربت أمثلة بألمانيا وفرنسا وإيطاليا، حيث تحركت كل دولة وفق مصالحها الخاصة؛ وبالنسبة للجزائر، يحمل هذا التشتت الأوروبي فرصة ومخاطرة في الوقت نفسه.

فالفرصة تكمن في قدرة الجزائر على التفاوض مع دول أوروبية رئيسية، خاصة تلك الأقرب إلى المتوسط، وفق مصالح ثنائية مباشرة.

في حين أن المخاطرة تتمثل في أن غياب إطار أوروبي موحد قد يجعل بعض المشاريع النظيفة طويلة الأمد أبطأ تنفيذًا وأقل تمويلًا.